يا لَها من مهمة صعبة أن تكتب عن المفكّر وفكره، وأن تتحوّل أنت بالذات إلى قلم يستلّ العبارة لكي يكشف عن هذا الجواب الذي يجيب على الأسئلة كلها.
ترى كيف صار هو الراصد، أي (الصيّاد)، وأنا تعرفت عليه قبل 60 عاماً (طريدة)، هربت وإياه من تحت الرصاص، كان صيف بغداد لاهباً، وكنت قد هربت مع بقية المتظاهرين من ساحة السباع في شارع الكفاح، وكنّا لا نعرف إلى أين سنتّجه وإلى أين سنذهب؟ انسحبنا إلى زقاق في منطقة الفضل، لندخل جامعاً، وكان قد حان موعد الصلاة، فوقفنا مع الجموع لنصلي وعيوننا ترصد كلّ حركة، حتى زال الخطر.
بعد ذلك كلّ اتّخذ منفاه، وكنّا نتصل ببعضنا مراراً، وكان شعبان المفكر الإنسان بمثابه الذاكرة اليقظة، وهو يتابع أوضاع المنفيين الذين وصل بعضهم حدود القطب الشمالي، وبعضهم وصل إلى البلدان التي تستقبل الشمس قبل الجميع، وكان يكتب ويكتب باستمرار، وكأنه وُلد وهو يحمل قلماً بيده وورقة يخطّ عليها أفكاره، كما وصفه أحد الأصدقاء، وكنت أسميه (بروليتار) الكتابة، وكنت أرسم وأمنحه أغلفة لكتبه، ولم يكن موت الصديق عنده سوى الحافز كي يعيد إحياء ذكراه، ذاكرة حية، هذا الذي اسمه شعبان، ولم يكن منذ أن خلق عبداً لبشر، بل كان يدرك بأن دوره هو الرصد والمتابعة، وأنه الوريث الشرعي للحق الإنساني.
المدرك الثقافي
يقول الباحث الأكاديمي الدكتور (ميشيل توماسللو): «إننا كبشر كبار ناضجين إذ نبحث ونتناول الوجود البشري، لا نستطيع أن ننزع عن عيوننا نظاراتنا الثقافية ونرى العالم متجرداً من الثقافة، أي عالم غير مصبوغ بثقافتنا، وذلك حتى تتسنى لنا مقارنته بالعالم كما ندركه ثقافياً».
إذن إدراك العالم ثقافياً هو الهدف الذي يسعى إليه الدكتور عبد الحسين شعبان، أما الغاية بعد الإدراك، فهي تقرير الواقع كما يجب أن يكون، وليس كما هو كائن، فهل هذا الكاتب والثري بعطائه يصر على استمرار حلمه بوطن يتواطن مع الطموح الثقافي؟ ربما هو حالم بالديمقراطية والحريّة وحقوق الإنسان.
وهذه الأحلام ليست سهلة التحقق، ولا هي جاهزة، فدونها الموت والسجن وربما الإعدام، ترى متى ندرك أننا نعيش في هذا العالم الذئبوي أو المستذئب، الذي يفترس حتى جرحاه؟
نعم إن البشر يأخذون المعارف ويستخدمونها حسب الأطر والرموز، أي حسب السياق الثقافي كما يقول نعوم تشومسكي، ولكن متى سندرك أن الثقافة هي مصنوع فني اجتماعي، وهي أيضاً وأيضاً أداة تكيّف متطور مع واقعها الاجتماعي؟ إنها الاستخدام الجيد للتعبير عن وجهة النظر المباشرة، وهنا يجب أن ننتبه لكتابات الدكتور شعبان، فهي في أبرز معطياتها تكشف عن مضمون العلاقة بين اللغة وفكر الثقافة، فهذا الرجل مليء بالمعرفة، وهو من نسل الملحوظات الخطيرة إزاء ظواهر الخارج، لذلك يجتهد لكي يجيء كلُّ كتاب عنده مغايراً لما سيأتي بعده، وكما جاء قبله، إنه لا يرثي المتوفَّين الذين رحلوا، بل يجعل من موتهم مهرجاناً لاحتفالية الاستمرار بالحياة والحضور.
وهو وإن لم يعش في زنزانة سجن الموقف مع مظفر النواب، ولم يهرب معه إلى الأهوار، أو يعيش الدم في حرائق (الكحلاء)، ولا أُخْضِع للتحقيق في البصرة، فقد كان (مظفر النواب) رفيق سجون وأشعار بالنسبة لي، لكنه كان أبرع مني حين كتب عنه بلغة الياسمين وبرائحة البنفسج، هذا هو الوفاء للرمز، إذ جاء موت مظفر النواب ليحوله إلى رمز (معمداني) يصرخ فيه برية العرب دون أن يعمدهم بطهرانية أنهرهم، التي باتت مستنقعات في هذا الزمن المسلوب، نسميه زمن الصهيود أي جفاف الأنهر.
العلاقة مع الدين والموروث
يرى الدكتور نبيل الراعي في كتابه -الثقافة العربية وعصر العولمة- «أن حوار الدين مع الفكر سيبدو مغرقاً بالأخلاقيات، علماً أن الدين هو من العناصر الوثيقة الصلة بالفلسفة والعلوم والفنون، وهو يوطد علاقته بالتكنولوجيا أيضاً»، لذلك سيبدو النقاش حول المسألة الدينية ضرورياً، لكن هناك من يتصور أن الضرورة ضرر، ويحصّن الدين بكل ما في الممنوعات من مواقع، لكن لو قرأنا عبد الحسين شعبان في كتبه «دين العقل وفقه الواقع» أو في كتابه «تحطيم المرايا في الماركسية والاختلاف» أو في كتابه «كوبا الحلم الغامض» أو كتبه الأخرى، وهنا أود التوقّف عند كتابه «الحبر الأسود والحبر الأحمر: من ماركس إلى الماركسية»، والذي ضمّ 40 مساهمة نقدية لكتابه تحطيم المرايا، والذي توقّف فيه عند الدين والتديّن، ومقاربتنا الموضوعية للدين بنظرة جديدة، فإننا سنجد حواراً ذكياً ومعمقاً حول السلوك الديني بالذات.
إنه يسقط أوهام الموروث، وينهض حقائق التأويل لأنه يستند أساساً إلى رهط من الفلاسفة العقليين أمثال الكندي والفارابي وابن رشد، مستمداً ذلك الوعي الغنوصي كحاله تلبست العديد من المفكرين المسلمين، وبخاصة أولئك الذين تلبستهم الروح الأفلاطونية الحديثة، إنه العقل الذي سيتمسك به شعبان وهو يكتب عن جوهر الصراع بين ما هو منفتح وما هو إلغائي، خصوصاً في كتابه «جذور التيار الديمقراطي في العراق»، زمن ما قبل الانقلابات، وسيطل النص الجريء وهو يكتب عن رجل دين علماني مات دون أن يخلده أحد سوى شعبان، أو ربما يكتب عن الجواهري الشاعر المتمرّد بلغة متمرّدة.
ولم ينس حين دوّن علاقته الروحية بنحو 48 شخصية فكرية وثقافية عربية وحملها في كتاب اشتمل على 16 بلداً تحت عنوان «الزمن والنخب – في أنطولوجيا الثقافة العربية»، وهو يدلف اليوم بإنتاج «أنطولوجيا الثقافة العراقية»، مسلطاً الضوء على خيرة المثقفين العراقيين كجهد معرفي توثيقي تاريخي منصف ومتميّز.
الاستمرار ومبدأ الشك
قلنا إن أهم ما في حضور حسين شعبان هو الحالة الاستمرارية، وهي كما أعتقد حاله دفاعية أسّسها بذكاء المثقف المثابر، لأن مبدأ الشك الذي طلع مثل نبتة بريّة بين ثنايا عقله، جعله الباحث الحقيقي عن الحقيقة، ولم يجد هذه الحقيقة أساساً إلّا في الرجوع إلى سير الذين عاصرهم من المفكرين والقادة.
ولم يكن شكّه مرضياً، بل كان معرفياً ديكارتياً، لأن العالم الذي نعيشه الآن يقوم على ركيزتين وركنين: مدرك عقلي، ومدرك حسي، فإذا كان رواد المدرك العقلي وصلوا إلى حدود التجربة، فإن رواد المدرك الحسي لم يبلغوا الملمس الانفعالي للمدركات الحسية، لذلك كان بعض القادة من يساريي العراق، يحلمون بأن يكون لديهم وطن آخر غير هذا الذي يعيشون فيه، وهو ما كان يحلم به شعبان كنخبوي رومانسي من اليسار العراقي؟!
ولو قرأنا عن محنة الحكم في العراق كما يراها ويدوّنها المفكر عبد الحسين شعبان، لأدركنا بأننا يجب أن نفكر أولاً وآخراً بمصادر الالتزام الأخلاقي الإنساني من الداخل، حتى نكتشف أن قوانين وأعراف المجتمع مستمدة من الخارج أصلاً، وأن القيم ليست منزّلة، بل هي من صنع الإنسان، وهي صفات أضفاها البشر على كل شيء في الكون.
إنني حين أريد أن أكتب عن كاتب ومفكر أعرفه جيداً، أضطرُّ لاستحضار فيلسوفنا وأستاذنا ابن رشد، وبخاصة في قوله: «إذا كان الناس متفاوتين في الوصول إلى الحق فسبب ذلك اختلاف في مدركاتهم العقلية لا اختلاف في الحق، فالحق واحد».
وبما أن الكتابة هي أسمى صور الحق لأنها كالفلسفة التي تسعى إلى معرفة كل موجود بما هو موجود، لذلك يستحسن أن نذهب إلى معتقد (محمد بن عبد الجبار النفري)، الذي يذهب مع (المكابيين) الذين يرون بأن قوّة النص المكتوب تكمن في تفاعله الخلّاق مع العقل الواعي، وتقترب كثيراً من حاله الاندماج في جوهره الثقافي، التي رآها رجل معاصر مفكر وفنان هو أستاذنا الراحل شاكر حسن آل سعيد بأنها الكشف عن كل ما هو وراء اليقين وصولاً إلى يقين اليقين.
استدراك على النص الشعباني
إن اكتساب المهارات المعرفية يحتاج إلى اندماج الكائن المفكر في الحركة الاجتماعية الجياشة، بحيث يصير جزءاً لا يتجزأ من ديالكتيكها الخلاق، وهذا التفاعل الأبدي بين كل النقائض سوف يؤدي حتماً بتحول كل تراكم كمّي إلى تطور نوعي، من هنا يمكن التعامل مع النص المكتوب كنتاج حقيقي ومكفول لحركة تتجاوز التفسير وترتقي إلى مستوى التفكيك الإبداعي للحدث، وبالتالي بناء العمارة النصية بما يمكن أن تصل إلى معنى آخر يسعى إليه الكاتب.
فعبد الحسين شعبان لا يكتب نصاً جاهزاً، بل يكتب ذلك النص المجبول بالمهارة الفكرية والمعرفة شبه الكلية، إنه المليء بالمعنى الآخر للنصوص الموروثة أو المستمدة من الآخرين.
هنا التميّز يأخذ معناه الأوسع عبر تناول المشهد الخبري بوسائل رديفة تفسره وتمنحه الحقيقة، التي تنحَّت عن جوهره، فأي مشهد بلا حقيقة لا يُمَكَّن للكاتب الذي تناوله لأنه سيكشف عن عورة المشهد الغارب عن التوثيق والتحليل.
شعبان كاتب ومفكر وليس عقلاً آلياً يرتكن على ميكانزم الكتابة السهلة، فنصه يكاد يكون مرصوداً بصعوبته وضروراته، إنه الصعب الضروري في زمن طغيان النصوص البدهية، سواء عبر النقد أو التحليل أو الرواية، إنه زمن السهولة المولودة من رحم الكسل الفكري، وهذا ما تجنبه شعبان في أغلب مؤلفاته، وذلك لكي تصير جزءاً من وجهها الأزلي، وعلى الكاتب كما يقول (ماركيز): أن يكون صياداً للنص القابل للتحليل، إنه يشيّد عمارة من الهندسة الافتراضية كما يفعل (سكاربا) أو (زها حديد).
أي كتاب أصدره شعبان هو حاله انتماء إلى هذا الزمن الذي هو عالم المقال، أو بلغة أوضح نطاق الفكر بكل ما يحفل من معطيات استدلالية توضح حقيقة العلاقات والتكوينات البنيوية للعالم.
لتُكتب المزيد من هذه النصوص التي يمكن للفلسفة التفكيكية -مع الاعتذار من (كارل بوبر)- أن تجعل منها أنموذجاً لمعرفة العالم.. إننا نريد أن نعرف أنفسنا، وهذا ما يفعله شعبان.
+ There are no comments
Add yours