-٢-
بحبر/ رئيس التحرير
نستكمل بهذا الجزء ما تناولنا في الأسبوع الفائت مما توارد وتعامد من مقال الكاتب الأمريكي “ديفيد – بروكس”، أحد أبرز كُتّاب صحيفة “نيويورك – تايمز”، الذي أمضى فيها قرابة 22 عاماً من دأب عمل متواصل فيها، قبل انتقاله للعمل في مجلة “The Atlantic”، موضحاً عبر مقاله المطوّل، والمنشور في الثلاثين من يناير – كانون أول العام الحالي، والذي جاء بعنوان “حان وقت الوداع”، دواعي ذلك الوداع، معتملاً بسؤال اتخذته عنواناً لعمودي هذا بجزأيه الأول والثاني، حائكاً من خلاله نسيج خيوط رؤيته للعالم كما كان يراه، وأظنها رؤية جديرة بالتملّي والتأمل والفحص والتمحيص، ينبغي التوقف عندها بخاطر حيادي، وتقييم مجرد، وقوة تركيز وشد انتباه.
نعم، تبرز أهمية النظر نحو كيف أصبحت أمريكا بحالة أكثر حزناً، وأكثر قسوة، وأكثر تشاؤماً، على وفق دراسة تاريخية حديثة تناولت طبيعة الصحف الأمريكية، التي توصلت بأن خطابها العام بدا اليوم أكثر سلبية مما كان عليه في خمسينيات القرن التاسع عشر، كما توثق الحقائق بأن البلاد أضحت في تراجع مخيف، للحد الذي جعل النخب لم تعد تُعير اهتماماً بحياة الناس العاديين إلا في حدود 13%، ولم يعد الكثير من الأمريكيين وبنسبة 69% يؤمنون بالحلم الأمريكي، وأضحى فقدان الإيمان لا يفضي إلا إلى الإيمان باللا شيء.
وها هو يتخذ من “ترامب” نموذجاً واضحاً في تجسيده للعدمية، بحكم افتراض قاطع أن الأخلاق للحمقى، وأن الحياة لا تحوم إلا حول القوة والقسر والقسوة والتنمر، وإن أمريكا باتت تتحول إلى ذئب مسعور ما بين الأمم، كما بات مفهوم العدمية هو الأكثر واقعية، والأنانية وتمجيد الذات والشهوة للسلطة هي من يدير ويحرك شؤون العالم، وأن منظومة القيم المتعلقة بالإيثار والكرم والشرف والنزاهة وغيرها ما هي سوى أوهام.



+ There are no comments
Add yours