نمتار / كتب علي حسين
ثمة متعة خاصة في متابعة بعض برامج “التوك شو” العراقية، وخصوصاً إذا كان الضيف يقفز من فضائية إلى أخرى ولسان حاله يقول: “شنو التعليم.. شنو الصحة.. شنو الصناعة.. المهم الكرامة”. معظم الذين يحملون صفة “محلل سياسي” ويظهرون على شاشات الفضائيات يصرخون، يعيشون كمواطنين من الدرجة الأولى، يقبضون أموالاً مقابل السخرية من كل شيء عراقي، تُفتح أمامهم أبواب الوظائف، يتسامرون مع السياسيين ليلاً، وفي المساء يظهرون بوجوه مشدودة يطالبون المواطن أن يصبر، فالقادم أفضل، وفي العجلة الندامة.
هناك تعريفات كثيرة للوطنية، منها ما قاله عظيم التنويريين في العالم جان جاك روسو: “الوطن هو المكان الذي لا يبلغ فيه “مواطن” من الفقر ما يجعله مضطراً أن يبيع نفسه أو كرامته”. وبعد يا صاحب “العقد الاجتماعي”: “الوطن هو رغيف الخبز والسقف والشعور بالانتماء، الدفء”.
يعيش المسؤول الفاشل في عالم من الوهم ينسجه له “المطبلون” من حوله.. يصنع عالمه الخاص ويعيش فيه، يتوهم أن وجوده يحقق الازدهار للبلاد، أما المصفقون له والمقربون منه فنراهم أمام شاشات الفضائيات يبثون الفرقة ويعيدون إنتاج الفشل.. حاشية المسؤول أو السياسي لا تجد نفسها إلا وهي تدور حول فلك القائد الملهم.. ويستبد بها الحماس أحياناً بأن تطالب باستنساخ هذا القائد، فيما يصر البعض على أن هذا المسؤول من المصلحين في الأرض، ليضيفوا على مسؤول حكومي هالة من التبجيل والقداسة.
في ظل هكذا مقربين وساسة تصبح السياسة في العراق كأنها صفحات من كتاب “الأمير” لميكافيلي، كل “محلل سياسي” يريد أن يصبح جزءاً من نظام نفعي، نظام لا مكان للبسطاء فيه، إلا بالشعارات والخطب وراء الميكروفونات.. فلا واجبات ولا مسؤوليات تجاه هذا الشعب، بل “منّة” إذا تنازل المسؤول وتمشى وسط حماياته في أحد الشوارع، ومنّة إذا تواضع وتحدث مع الناس عبر سياج من الحمايات المدججين بالسلاح، ومنّة إذا تكرم وحضر اجتماعاً للبرلمان ليناقش قانوناً يهم الملايين، ومنّة إذا وافق أن يصافح المختلفين معه في الرأي.
إن نيل المكاسب والمناصب والإكراميات هو القيمة التي تسود ويعمل على شيوعها وتعميمها أولئك الذين يسخرون من تنمية البلاد، ويعتبرون الولاء بديلاً للخبرة والمعرفة وللوطنية. مشكلة “المحلل السياسي” الفاشل هي انعدام التواصل مع الناس، وفي عدم الثقة بالجميع، وفي الاعتقاد بأن طَلّته اليومية من على شاشات الفضائيات يمكن أن تكون بديلاً للمدارس والطرقات والصحة والأمن والرفاهية الاجتماعية.. في بلد المداحين يتقاتل الجميع على حقائب مليئة بالمناصب والغنائم.. وفي هذا التهافت ينسون أن هناك شعباً يُراد له أن يعيش دوماً على حافة الخطر.


+ There are no comments
Add yours