واشنطن بوست: من ذاكرة الجمهورية إلى قلق الحاضر

نمتار /  جورج منصور

نشر المقال في  صحيفة المدى البغدادية في الثاني عشر من شباط الحالي ، ولأهمية المقال بما يخص الصحافة والاعلام الرقمي  ارتأينا في وكالة نمتار الاعلامية اعادة نشره مقاطع منه  لاتساع الفائدة منه للجمهور وللباحثين .

ليست واشنطن بوست مجرد صحيفة أمريكية كبرى، بل إحدى المؤسسات التي ساهمت في تشكيل الوعي السياسي الحديث للولايات المتحدة، وأعادت، في لحظات مصيرية، تعريف دور الصحافة بوصفها سلطة رقابية مستقلة. لذلك، فإن ما تشهده اليوم من تسريحات جماعية، وإيقاف مراسلين، واستقالات في قمة هرمها الإداري، لا يمكن قراءته كحدث إداري عابر، بل كتحوّل عميق في ماهية الصحافة ذاتها.

تأسست واشنطن بوست عام 1877 كصحيفة محلية ، لم تكن تختلف كثيراً عن غيرها من صحف القرن التاسع عشر، لكنها سرعان ما تشبعت بطبيعة المدينة التي تصدر منها: مدينة السياسة والبيروقراطية والصراع بين السلطات. منحها، هذا الموقع الجغرافي أفضلية معرفية، لكنها لم تتحول إلى مؤسسة مؤثرة إلا عندما قررت أن تتجاوز نقل الأخبار إلى تفكيك السلطة.

جاء التحول المفصلي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، في عهد كاثرين غراهام، أول امرأة تقود صحيفة كبرى في الولايات المتحدة ، لم تكتفِ واشنطن بوست بالاقتراب من السلطة، بل دخلت في مواجهة مباشرة معها، وأرادت أن تختبر شجاعتها: فنشرت “أوراق البنتاغون”، متحدّية الإدارة الأمريكية، وقادت، عبر تحقيقات كشف فضيحة ووترغيت، التي انتهت باستقالة الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1974. هنا، لم تنتصر الصحيفة على رئيس فحسب، بل رسّخت مفهوم الصحافة الاستقصائية كركيزة للديمقراطية.

في العقود اللاحقة، وسّعت الصحيفة حضورها الدولي ولعبت دوراً بارزاً في تغطية الحروب الأمريكية وتداعياتها، وكشف تجاوزات الاستخبارات، وتحليل السياسات الاقتصادية والاجتماعية بعمق مؤسسي. في تلك المرحلة، مثلت واشنطن بوست صحافة “الدولة العميقة” بمعناها المهني: قريبة من مراكز القرار، لكنها غير خاضعة لها.

اشترى جيف بيزوس الصحيفة عام 2013، في خطوة رآها كثيرون إنقاذاً لمؤسسة تواجه أزمة مالية خانقة. وقد وفّر الاستحواذ استقراراً مالياً نسبياً، واستثمر في التحول الرقمي. لكن المال، حين يدخل غرفة الأخبار، لا يكون محايداً تماماً. فمع مرور الوقت، بدأ يتجلى توتر صامت بين منطق الصحافة ومنطق السوق: أولوية للمحتوى القابل للاشتراك، وضغط متزايد على غرف التحرير لتقليل التكاليف، وإعادة تعريف “الخبر المهم” وفقاً لتفاعل الجمهور لا لضرورته العامة.

في شباط 2026 أعلنت الصحيفة خطة لخفض عدد موظفيها ، طالت 300 موظفاً، أي حوالي ثلث العاملين فيها، هؤلاء لم يكونوا مجرد أرقام إحصاء إداري، بل حاملين لخبرات متراكمة من ساحات النزاع .

ردًا على موجة التسريحات استقال رئيس الصحيفة التنفيذي والناشر ويل لويس، الذي تولى المنصب عام 2023 بهدف إعادة هيكلة المؤسسة وتحسين وضعها الاقتصادي.

تشير استقالة القيادة إلى اعتراف بفشل إدارة التوازن بين الاقتصاد والدور العام. فعندما تُدار صحيفة بتاريخ واشنطن بوست بعقلية شركة تقنية، تتحول الحقيقة إلى بند في الميزانية، لا قيمة عليا.

جرت تغييرات في السياسة التحريرية على صفحات الرأي للدفاع عن “الحريات الشخصية والأسواق الحرة”، مما أثار جدلاً حول استقلالية التغطية وحرية التعبير. كما أدّت موجة من القرارات في عامي 2024–2025، من بينها امتناع الصحيفة عن تأييد مرشح في الانتخابات الرئاسية، إلى خسارة اشتراكات وربما ثقة بعض القرّاء، ما زاد الضغوط الداخلية والخارجية على الإدارة الحالية.

أن هذه التطورات تعتبر صدمة في الوسط الصحفي الأمريكي والعالمي، لأنها تجسد اندفاع المؤسسات الإعلامية التقليدية نحو إعادة هيكلة جذرية، وصراع بين من يراه خطوة ضرورية في العصر الرقمي ومن يعتبره تراجعاً عن دور الصحافة في مراقبة السلطة، ويخلق نقاشاً حاداً حول استقلالية المؤسسة الإعلامية عند تدخل المالكين وأولويات السوق.

تركيبة هذه التغييرات تمنح صورة واضحة عن التحديات التي تواجه الإعلام التقليدي اليوم، بين الحفاظ على الهوية المهنية والبقاء اقتصادياً في عصر المعلومات الرقمية.

ما يحدث اليوم يطرح أسئلة مقلقة: هل ما زالت الصحافة قادرة على تمويل التحقيقات التي تُغضب السلطة؟ وهل يمكن لمؤسسة إعلامية كبرى أن تبقى مستقلة وهي مملوكة لأحد أبرز رواد الأعمال في العالم؟ وهل مازالت الصحافة قادرة على مراقبة السلطة في عصر المنصات والخوارزميات؟ وهل يتحمل القارئ جزءاً من المسؤولية حين يفضّل السرعة على العمق؟.

واشنطن بوست لم تكن مجرد صحيفة ناجحة، بل كانت ذاكرة سياسية حية، وشاهداً على قدرة الكلمة على محاسبة أقوى الرجال في الدولة. إن تقليص التغطية الدولية يعني عملياً انسحاب عين صحيفة محترفة من مساحات ملتهبة. فحين تُدار التغطية من غرف أخبار بعيدة، تتحول الحروب إلى أرقام وتصريحات .

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours