مهرجان الناظور الدولي للسينما والذاكرة المشتركة
نوفمبر 2025 في المغرب – نمتار
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
السَّيِّداتِ وَالسَّادَةِ،
الحُضُورِ الكَرِيمِ، مع حفظ الألقاب والمقامات
مِن بِلادِي السُّودَانِ، أَرْضِ النِّيلَيْنِ وَمَهْدِ الحَضَارَاتِ، النَّازِفَةِ مِن جِرَاحِ حَرْبٍ طَاحِنَةٍ قَارَبَت أَعْوَامَهَا الثَّلَاثَ،
وَمِن قَلْبِ أُمٍّ مَكْلُومَةٍ تَرَى نِصَالَ الحُزْنِ تَتَكَسَّرُ فَوْقَ بَعْضِهَا فِي شَتَّى بُقَاعِ عَالَمِنَا بَيْنَ الفَاشِرِ وَغَزَّةَ، بَيْنَ أُمِّ دُرْمَانَ وَالقُدْسِ، وَبَيْنَ بَابَنُوسَةَ وَبَيْرُوتَ؛
تَتَشَابَهُ المَآسِي وَتَتَوَحَّدُ النِّدَاءَاتُ؛
نِدَاءُ الإِنْسَانِ فِي مُوَاجَهَةِ القَهْرِ وَالعَوْزِ وَالخَوْفِ،
وَنِدَاءُ الأُمَّهَاتِ البَاحِثَاتِ عَنِ الأَمْنِ وَالكَرَامَةِ لِأَطْفَالِهِنَّ،
وَنِدَاءُ المُبْدِعِينَ الَّذِينَ يُدْرِكُونَ أَنَّ الفَنَّ لَا يُطْفِئُ النِّيرَانَ، لَكِنَّهُ يُذَكِّرُنَا بِإِنْسَانِيَّتِنَا حِينَ نَكَادُ نَنْسَاهَا.
وَنِدَاءُ المُثَقَّفِينَ الَّذِينَ يَصُونُونَ الذَّاكِرَةَ لَا لكَيْ تُوَرِّثَ الكَرَاهِيَةَ بَلْ لِتَزْرَعَ الحِكْمَةَ!
مِن ذَاكَ المَقَامِ؛ أُحَيِّيكُمْ بِتَحِيَّةِ السَّلَامِ وَالِاحْتِرَامِ، مِن مَدِينَةِ النُّورِ؛ النَّاظُورِ الَّتِي جَعَلَتْ مِنَ السِّينِمَا وَالفِكْرِ جِسْرًا نَحْوَ العَدَالَةِ وَالسَّلَامِ وَالوَفَاءِ، القِيَمِ الإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي لَا تَسْتَقِيمُ الحَيَاةُ بِدُونِهَا.
قَالَ الإِمَامُ الصَّادِقُ المَهْدِيُّ: “لِلْفَنِّ قِيمَةٌ سَامِيَةٌ تَتَجَلَّى فِي قُدْرَتِهِ عَلَى تَجَاوُزِ المَآسِي لَا بِإِنْكَارِهَا، بَلْ بِتَحْوِيلِهَا إِلَى مَعْنًى، وَبِجَعْلِ الأَلَمِ مَادَّةً لِلْوَعْيِ وَالجَمَالِ. فَحِينَ تَضِيقُ اللُّغَةُ أَمَامَ الفَجِيعَةِ، يَتَكَلَّمُ الفَنُّ؛ وَحِينَ يَعْجِزُ الإِنْسَانُ عَنِ البَوْحِ، تَصِيرُ القَصِيدَةُ أَوِ اللَّوْحَةُ أَوِ اللَّحْنُ صَوْتَهُ العَمِيقَ الَّذِي لَا يَخُونُ المَشَاعِرَ. فَالفَنَّانُ لَا يَهْرُبُ مِنَ الأَلَمِ، بَلْ يُوَاجِهُهُ بِأُسْلُوبِهِ، لِيُحَوِّلَهُ إِلَى طَاقَةٍ خَلَّاقَةٍ تُذَكِّرُنَا بِأَنَّ الضَّوْءَ مُمْكِنٌ أَنْ يَسْطَعَ حَتَّى فِي أَكْثَرِ اللَّحَظَاتِ ظُلْمَةً.
وَبِذَا يَكُونُ الفَنُّ فِعْلَ مُقَاوَمَةٍ رُوحِيَّةٍ وَثَقَافِيَّةٍ، يَنْتَصِرُ لِلْإِنْسَانِ فِي وَجْهِ القَهْرِ، وَلِلْأَمَلِ فِي وَجْهِ اليَأْسِ. فَبِالفَنِّ نَحْيَا مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِالْوَاقِعِ، وَمَرَّةً بِالجَمَالِ الَّذِي يُعِيدُ صِيَاغَةَ هَذَا الوَاقِعِ بِلُغَةٍ تَبْعَثُ فِينَا القُوَّةَ وَالرَّجَاءَ.”
انتهى كلامُ الإِمَامِ الصَّادِقِ.
يَسْعَدُنِي وَيُشَرِّفُنِي أَنْ أَكون بَيْنَكُمْ اليَوْمَ فِي هَذِهِ المَدِينَةِ المَغْرِبِيَّةِ العَرِيقَةِ، وَهِيَ تَسْتَضِيفُ مَهْرَجَانَ النَّاظُورِ الدُّوَلِيَّ لِلسِّينِمَا وَالذَّاكِرَةِ المُشْتَرَكَةِ فِي دَوْرَتِهِ الرَّابِعَةِ عَشْرَةَ،
وَأُحَيِّي مَرْكَزَ الذَّاكِرَةِ المُشْتَرَكَةِ مِنْ أَجْلِ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ وَالسِّلْمِ وَرَئِيسَهُ الإِنْسَانَ الفَنَّانَ المُثَقَّفَ الشَّامِلَ؛ الأُسْتَاذَ عَبْدَ السَّلَامِ بُوطِيبْ،
وَأُسَجِّلُ صَوْتَ اسْتِحْسَانٍ وَعِرْفَانٍ لِهَذَا المَشْرُوعِ الثَّقَافِيِّ الرَّائِدِ الَّذِي اخْتَارَ أَنْ يَجْعَلَ مِنَ السِّينِمَا أَدَاةً لِلْعَدَالَةِ الِانْتِقَالِيَّةِ وَالسَّلَامِ، وَالَّذِي تَجَاوَزَ كَوْنَهُ تَظَاهُرَةً سِينِمَائِيَّةً إِلَى أَنْ صَارَ رِسَالَةً حَضَارِيَّةً تُعَبِّرُ عَنْ التِقَاءِ الذَّاكِرَةِ بِالعَدَالَةِ، وَالفَنِّ بِالسَّلَامِ، وَمَيْدَانًا يَجْمَعُ الإِبْدَاعَ بِالضَّمِيرِ، وَالفِكْرَ وَالتَّنْظِيرَ بِالْعَمَلِ وَالتَّطْبِيقِ.
وَجَعَلَ مِنْ مَدِينَةِ النَّاظُورِ، الوَاقِعَةِ عَلَى ضِفَافِ المُتَوَسِّطِ، مَنْصَّةً لِلْحِوَارِ بَيْنَ إِفْرِيقْيَا وَأُورُوبَّا وَالعَالَمِ العَرَبِيِّ.
فَرَفَعَ المَهْرَجَانُ فِي نُسْخَتِهِ لِهَذَا العَامِ شِعَارَيْنِ مُتَكَامِلَيْنِ: «ذَاكِرَةُ السَّلَامِ» وَ«الوَفَاءُ لِلوفِاءِ».
الوَفَاءُ، أَيُّهَا الأَحبابُ وَالحَبِيبَاتُ، لَيْسَ مُجَرَّدَ خُلُقٍ جَمِيلٍ؛ إِنَّهُ رَكِيزَةُ الوُجُودِ الإِنْسَانِيِّ، وَسِرُّ بَقَاءِ الرِّسَالَاتِ وَالعَلَاقَاتِ وَالأَوْطَانِ.
بِهِ يُبْنَى الإِيمَانُ، وَبِهِ تُصَانُ الذَّاكِرَةُ، وَبِهِ تَتَرَبَّى الأَجْيَالُ عَلَى النُّبْلِ وَالصِّدْقِ وَالعَطَاءِ.
فَالسَّلَامُ بِلا وَفَاءٍ سَرَابٌ، وَالذَّاكِرَةُ بِلا إِخْلَاصٍ تُـمْحَى، وَالأُمَمُ الَّتِي تَنْسَى أَهْلَ الفَضْلِ تَفْقِدُ بُوصْلَةَ الخَيْرِ وَتَهِيمُ فِي صَحْرَاءِ الجُحُودِ، حَيْثُ تَنْبُتُ الصِّرَاعَاتُ وَتَزْدَهِرُ الحُرُوبُ.
وَمِنْ هَذَا المُنْطَلَقِ الإِنْسَانِيِّ الرَّفِيعِ، يَجِيءُ تَكْرِيمُنَا اليَوْمَ لِاِمْرَأَةٍ كَرَّسَتْ حَيَاتَهَا مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ، وَكَتَبَتْ لِلْإِنْسَانِ وَالأَوْطَانِ، وَجَعَلَتْ مِنَ الشِّعْرِ وَالفِكْرِ طَرِيقًا لِلْحِوَارِ وَالتَّنْوِيرِ.
إِنَّهَا الشَّيْخَةُ الدُّكْتُورَةُ سُعَادُ مُحَمَّدِ الصَّبَّاحِ (أُمُّ مُبَارَكٍ)؛ التي لم التقيها شخصيا، ولكن احتضنتي اقوالها وأفعالها اعتزازا وفخارا.
هي اِبْنَةُ الكُوَيْتِ وَالعُرُوبَةِ؛ حَمَلَتْ فِي وِجْدَانِهَا حُبَّ الكَلِمَةِ، وَإِيمَانَهَا بِالإِنْسَانِ، وَإِصْرَارَهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْمَرْأَةِ صَوْتٌ يُسْمَعُ، وَفِكْرٌ يُحْتَرَمُ، وَفِعْلٌ يُشَارُ إِلَيْهِ بِالبَنَانِ.
المُثَقَّفَةُ؛ الَّتِي جَعَلَتْ مِنَ اللُّغَةِ وَسِيلَةً لِبِنَاءِ السَّلَامِ، وَمِنَ الفِكْرِ مَدْخَلًا لِلِانْعِتَاقِ، وَمِنَ الفَنِّ دَعْوَةً لِلتَّصَالُحِ.
الخَيْرَةُ؛ الَّتِي بَسَطَتِ العَطَاءَ، وَعَمِلَتْ كَيْ يَكُونَ الدَّعْمُ وَالمُسَاعَدَاتُ الإِنْسَانِيَّةُ أَسَاسًا لِلتَّنْمِيَةِ القَاصِدَةِ، وَالوِصَالِ المُحِبِّ.
الأَمِيرَةُ؛ الَّتِي لَمْ تَرْكَنْ لِدَعَةِ العَيْشِ وَالِاسْمِ المَرْمُوقِ، فَشَقَّتْ طَرِيقَهَا بِإِنْجَازَاتِهَا، وَسَجَّلَتِ اسْمَهَا فِي دَفَاتِرِ التَّارِيخِ؛ نِضَالًا، وَبَذْلًا، وَحُضُورًا فَاعِلًا.
الطِّفْلَةُ، الَّتِي تَنَفَّسَتِ القَصِيدَةَ، وَاسْتَمَعَتْ إِلَى شُعَرَاءَ كِبَارٍ، فَوَجَدَتْ فِي أَصْوَاتِهِمْ اِمْتِدَادًا لِوِجْدَانِهَا…
وَمُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ، بَدَأَتْ رِحْلَتَهَا مَعَ الكَلِمَةِ رِحْلَةً لَمْ تَنْقَطِعْ، نَضِجَتْ مَعَ الزَّمَنِ حَتَّى أَصْبَحَتْ صَوْتًا نِسَائِيًّا عَرَبِيًّا فَرِيدًا.
وَلَمْ تَكُنْ شَاعِرَةً فَقَطْ؛ فَقَدْ آمَنَتْ بِأَنَّ «العَقْلَ جَنَاحٌ ثَانٍ لِلرُّوحِ»؛
نَالَتِ الدُّكْتُورَاه فِي الِاقْتِصَادِ وَالعُلُومِ السِّيَاسِيَّةِ، وَتَنَاوَلَتْ فِي أُطْرُوحَتِهَا قَضَايَا التَّنْمِيَةِ العَرَبِيَّةِ وَاقْتِصَادِيَّاتِ النِّفْطِ.
كَتَبَتْ فِي الِاقْتِصَادِ وَالسِّيَاسَةِ وَقَضَايَا التَّنْمِيَةِ، وَنَاقَشَتْ دَوْرَ المَرْأَةِ فِي بِنَاءِ المُجْتَمَعَاتِ، مُؤَكِّدَةً أَنَّ «النَّهْضَةَ لَا تَكْتَمِلُ إِلَّا بِمُشَارَكَةِ المَرْأَةِ فِكْرًا وَعَمَلًا وَإِبْدَاعًا».
قَصَائِدُهَا تَنْبُضُ بِالعَاطِفَةِ، لَكِنَّهَا تَحْمِلُ فِي عُمْقِهَا رِسَالَةً فِكْرِيَّةً وَإِنْسَانِيَّةً، تَدْعُو إِلَى الحُرِّيَّةِ، وَإِلَى أَنْسَنَةِ الحَيَاةِ، مُنْطَلِقَةً مِنْ إِيمَانٍ رَاسِخٍ بِأَنَّ الكَلِمَةَ قَادِرَةٌ عَلَى أَنْ تُغَيِّرَ العَالَمَ.
وَهَكَذَا جَمَعَتْ بَيْنَ حِسِّ الشَّاعِرَةِ وَدِقَّةِ العَالِمَةِ، وَخَيَالِ الفَنَّانَةِ وَحَنَانِ الأُمِّ، لِتُصْبِحَ نَمُوذَجًا لِلْمَرْأَةِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ الرِّهَافَةِ وَالوَعْيِ، بَيْنَ اللُّطْفِ وَالحَزْمِ، بين العلم والعمل، وَبَيْنَ العَاطِفَةِ وَالعَقْلِ.
الخَاصُّ المُنْدَاحُ فِي العَامِّ
كَانَ زَوَاجُهَا مِنْ سُمُوِّ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ المُبَارَكِ الصَّبَّاحِ شِرَاكَةً فِي الفِكْرِ وَالوِجْدَانِ.
وَمِنْ بَيْتٍ عَامِرٍ بِالمَحَبَّةِ وَالِاحْتِرَامِ، أَنْجَبَتْ أَبْنَاءَهَا وَبَنَاتَهَا، وَنَسَجَتْ قَصَائِدَهَا الَّتِي تَغَنَّتْ بِالحُبِّ وَالوَفَاءِ وَالإِنْسَانِ.
وَحِينَ فَقَدَتْ زَوْجَهَا، تَحَوَّلَ الحُزْنُ فِي قَلْبِهَا إِلَى «قَصِيدَةٍ مِنْ نُورٍ وَدَمْعٍ»،
فَكَبُرَ الشِّعْرُ فِيهَا، وَكَتَبَتْ أَجْمَلَ مَا فِي الشِّعْرِ مِنْ صِدْقٍ وَأَلَمٍ، وَجَعَلَتْ مِنَ الفَقْدِ طَاقَةً لِلْإِبْدَاعِ، وَمِنَ الذِّكْرَى وَعْدًا بِالِاسْتِمْرَارِ. وباحت بوحاً غيرُ مسبوق:
كتبت تَقُولُ:
عَلَى حُدُودِ الضَّوْءِ وَالسَّحَابْ
أَوْ تَحْتَ جَفْنَيْ كَلِمَةٍ
أَوْ دَفَّتَيْ كِتَابْ
مَا أَجْمَلَ الهُرُوبَ فِي الفَجْرِ مَعَكْ
مِنْ غَيْرِ تَفْكِيرٍ… وَلَا خَوْفٍ… وَلَا نَدَامَهْ
يَا لَيْتَنِي أُقِيمُ فِي صَدْرِكَ… كَالحَمَامَهْ
وَبَعْدَهَا فَلْتَقُمْ القِيَامَهْ!
وَلْيَبْدَأِ الطُّوفَانْ…!
العَمَلُ الإِنْسَانِيُّ وَالثَّقَافِيُّ
وَلِأَنَّ الشِّعْرَ عِنْدَهَا لَمْ يَكُنْ غَايَةً بَلْ وَسِيلَةً، سَخَّرَتْ مَكَانَتَهَا وَجُهْدَهَا لِخِدْمَةِ الإِنْسَانِ.
أَسَّسَتْ مُؤَسَّسَةَ سُعَادِ الصَّبَّاحِ الثَّقَافِيَّةِ، الَّتِي دَعَمَتِ البُحُوثَ العِلْمِيَّةَ وَالمَشْرُوعَاتِ التَّعْلِيمِيَّةَ وَمُبَادَرَاتِ تَمْكِينِ المَرْأَةِ فِي الوَطَنِ العَرَبِيِّ،
وَقَدَّمَتِ الدَّعْمَ لِلْكُتَّابِ وَالبَاحِثِينَ، وَأَطْلَقَتْ مَنَحًا وَجَوَائِزَ لِلشَّبَابِ المُبْدِعِينَ لِتَفْتَحَ أَمَامَهُمْ أَبْوَابَ الأَمَلِ وَالإِبْدَاعِ.
وَفِي كُلِّ مَا قَامَتْ بِهِ، كَانَتْ تُؤْمِنُ أَنَّ «الثَّقَافَةَ لَيْسَتْ تَرَفًا، بَلْ مَسْؤُولِيَّةً، وَأَنَّ العَطَاءَ الحَقِيقِيَّ هُوَ الَّذِي يَتْرُكُ أَثَرًا فِي العُقُولِ وَالقُلُوبِ».
(دَعْمُ عِيَادَةِ المُبْدِعِينَ فِي اليَمَنِ – شَهَادَةُ د. نِزَارٍ غَانِمْ… دَعْمُ اللَّجْنَةِ العَرَبِيَّةِ لِحُقُوقِ الإِنْسَانِ – شَهَادَةُ الأُسْتَاذَةِ مَحَاسِنْ عَبْدُ الله.)
المَرْأَةُ وَالرُّؤْيَا
الدُّكْتُورَةُ سُعَادُ الصَّبَّاحِ؛ اِمْرَأَةٌ «تَجْمَعُ بَيْنَ الأَصَالَةِ وَالمُعَاصَرَةِ»، بَيْنَ الإِيمَانِ بِالهُوِيَّةِ وَالِانْفِتَاحِ عَلَى العَالَمِ.
دَافَعَتْ عَنْ حُقُوقِ المَرْأَةِ مِنْ دَاخِلِ الإِطَارِ العَرَبِيِّ وَالإِسْلَامِيِّ، مُؤَكِّدَةً أَنَّ «الكَرَامَةَ لَا تُسْتَعَارُ، وَأَنَّ الحُرِّيَّةَ لَا تُمْنَحُ بَلْ تُصْنَعُ بِالوَعْيِ».
رُؤْيَتُهَا أَنَّ المَرْأَةَ لَيْسَتْ تَابِعًا، بَلْ شَرِيكًا فِي البِنَاءِ، وَأَنَّ المُجْتَمَعَ الَّذِي يُقْصِي نِصْفَهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْهَضَ بِأَكْمَلِهِ.
وَمِنْ خِلَالِ شِعْرِهَا وَمَقَالَاتِهَا وَمُؤَسَّسَاتِهَا، جَسَّدَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَا وَاقِعًا حَيًّا فِي الكُوَيْتِ وَالعَالَمِ العَرَبِيِّ.
وَفِي قَصِيدَتِهَا «فِيتُو… عَلَى نُونِ النِّسْوَةِ»، تَقُولُ:
يَقُولُونَ:
إِنِّي كَسَرْتُ بِشِعْرِي جِدَارَ الفَضِيلَةْ
وَإِنَّ الرِّجَالَ هُمُ الشُّعَرَاءْ
فَكَيْفَ سَتُولَدُ شَاعِرَةٌ فِي القَبِيلَةْ؟
وَأَضْحَكُ مِنْ كُلِّ هَذَا الهُرَاءِ
وَأَسْخَرُ مِمَّنْ يُرِيدُونَ — فِي عَصْرِ حَرْبِ الكَوَاكِبِ —
وَأْدَ النِّسَاءِ!
وَأَسْأَلُ نَفْسِي:
لِمَاذَا يَكُونُ غِنَاءُ الذُّكُورِ حَلَالًا،
وَيُصْبِحُ صَوْتُ النِّسَاءِ رَذِيلَةً؟
التَّكْرِيمُ وَالإِرْثُ
هَذَا التَّكْرِيمُ الَّذِي نَقُومُ بِهِ اليَوْمَ لَيْسَ الأَوَّلَ، وَلَنْ يَكُونَ الأَخِيرَ.
فَقَدْ حَازَتِ الدُّكْتُورَةُ سُعَادُ الصَّبَّاحِ جَوَائِزَ وَأَوْسِمَةً عَرَبِيَّةً وَدَوْلِيَّةً تَقْدِيرًا لِعَطَائِهَا الأَدَبِيِّ وَالْإِنْسَانِيِّ.
وَكَرَّمَتْهَا مُؤَسَّسَاتٌ ثَقَافِيَّةٌ وَأَكَادِيمِيَّةٌ فِي الشَّرْقِ وَالغَرْبِ.
وَلَكِنَّ أَعْظَمَ تَكْرِيمٍ لَهَا هُوَ مَحَبَّةُ النَّاسِ، وَتَأْثِيرُهَا فِي أَجْيَالٍ مِنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ الَّذِينَ وَجَدُوا فِي سِيرَتِهَا إِلْهَامًا وَقُدْوَةً.
لَقَدْ خَطَّتْ إِرْثًا مِنَ الفِكْرِ وَالشِّعْرِ وَالعَمَلِ الإِنْسَانِيِّ، إِرْثًا يُؤَكِّدُ أَنَّ «الكَلِمَةَ حِينَ تَصْدُرُ مِنْ قَلْبٍ صَادِقٍ، يُمْكِنُ أَنْ تَبْنِيَ أُمَّةً، وَأَنْ تَزْرَعَ فِي الأَرْضِ أَمَلًا لَا يَذْبُلُ».
وقبل الخِتَامُ
الأَحبابُ وَالحَبِيبَاتُ، أَيُّهَا الحُضُورُ الكَرِيمُ؛
حِينَ نَتَحَدَّثُ عَنِ الدُّكْتُورَةِ سُعَادِ الصَّبَّاحِ، فَإِنَّنَا نَتَحَدَّثُ عَنْ «اِمْرَأَةٍ سَبَقَتْ زَمَانَهَا، وَكَتَبَتْ تَارِيخًا مِنَ النُّورِ فِي صَفَحَاتِ الأَدَبِ العَرَبِيِّ».
هِيَ الشَّاعِرَةُ الَّتِي جَعَلَتْ مِنَ القَصِيدَةِ وَطَنًا، وَمِنَ الوَطَنِ قَصِيدَةً.
وَهِيَ الأَكَادِيمِيَّةُ الَّتِي آمَنَتْ بِأَنَّ الِاقْتِصَادَ لَا يَنْفَصِلُ عَنِ الإِنْسَانِ، وَأَنَّ التَّنْمِيَةَ الحَقِيقِيَّةَ تَبْدَأُ مِنَ الفِكْرِ.
وَهِيَ الإِنْسَانَةُ الَّتِي رَأَتْ فِي كُلِّ مُبْدِعٍ مَشْرُوعَ أَمَلٍ جَدِيدٍ.
إِنَّهَا صَوْتُ الكُوَيْتِ النَّابِضُ بِالحِكْمَةِ، وَصُورَةُ المَرْأَةِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي تَمْشِي بِثِقَةٍ نَحْوَ المُسْتَقْبَلِ.
وَفِي تَكْرِيمِهَا، نُكَرِّمُ القِيَمَ الَّتِي تُمَثِّلُهَا وَنَحْتَفِي بِهَا.
فَلْنَرْفَعِ التَّحِيَّةَ لِلشَّيْخَةِ الدُّكْتُورَةِ سُعَادِ مُحَمَّدِ الصَّبَّاحِ (أُمِّ مُبَارَكٍ).
رِحْلَتُهَا — مِنْ طِفْلَةٍ تَنْتَمِي لِلْأُسْرَةِ الحَاكِمَةِ فِي الكُوَيْتِ، إِلَى رَمْزٍ أَدَبِيٍّ وَإِنْسَانِيٍّ عَالَمِيٍّ — تَحْكِي قِصَّةَ اِمْرَأَةٍ حَوَّلَتْ كَلِمَاتِهَا إِلَى جُسُورٍ لِلْفَهْمِ، وَأَفْعَالِهَا إِلَى بَصَمَاتٍ خَالِدَةٍ فِي الوِجْدَانِ الإِنْسَانِيِّ. فَشَكَّلَتْ حَيَاتُهَا لَوْحَةً لِأَمِيرَةٍ بَاسِلَةٍ.
سَلَامٌ عَلَيْهَا فِي كُلِّ قَصِيدَةٍ كَتَبَتْهَا، وَفِي كُلِّ فِكْرَةٍ أَنَارَتْ بِهَا دَرْبًا، وفي كل عمل رسمت به بسمة، وَفِي كُلِّ قَلْبٍ تَرَكَتْ فِيهِ أَثَرًا لَا يُمْحَى…
سَلَامٌ عَلَيْهَا وَهِيَ تَتَوَشَّحُ بِذَاكَ الوَفَاءِ العَمِيقِ لِلْقَوْلِ وَالفِعْلِ وَالكَلِمَةِ الحُرَّةِ، العَاقِلَةِ، المُبْدِعَةِ، وَالشُّجَاعَةِ.
وكَلِمَةٌ أَخِيرَةٌ
مُؤَكَّدٌ فِي عِلْمِ الفِيزْيَاءِ: «الطَّاقَةُ لَا تَفْنَى وَلَا تُسْتَحْدَثُ»..
كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ: الخَيْرُ وَالجَمَالُ وَالفَضِيلَةُ بُذُورٌ بَاقِيَةٌ وَخَالِدَةٌ، لَا تَأْتِي مِنْ فَرَاغٍ، وَتَسْتَمِرُّ فِي الإِشْرَاقِ ما استمرّت الحياة.
حفظ اللهُ الحبيبة الأميرة العاملة، وأسبل عليها أثواب الرضى والصحة، مواصلة في مزيد من العطاء والإشراق،
ووفق نَسْلَها بِالدَّمِ وَبِالرُّوحِ فِي إِعَانَتِهَا، وَالأَبْدَاعِ فِي مُوَاصَلَةِ نَهْجِهَا.
وحَفِظَ اللهُ الكُوَيْتَ التي أنبتتها ، وَالمَغْرِبَ التي كرّمتها، وَفِلَسْطِينَ، وَالسُّودَانَ، وَكُلَّ بِلَادِ أُمَّتِنَا.
فِي دِيوَانِهَا «فِي البَدْءِ كَانَتِ الأُنْثَى» كَتَبَتْ:
أَنَا اِمْرَأَةٌ لَيْسَتْ كَسَائِرِ النِّسَاءِ،
صَاغَهَا اللهُ مِنَ الحُلْمِ وَالرَّجَاءِ،
وَمِنْ وَهْجِ الكَلِمَةِ الأُولَى.
وَحَقًّا مَا قَالَتْ…
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
+ There are no comments
Add yours