يشهد العالم مرحلة تحول كبرى تعيد تشكيل النظام الدولي وموازين القوة السياسية والاقتصادية. وفي قلب هذه التحولات تقف المنطقة العربية أمام لحظة تاريخية حاسمة إما أن تستعيد دورها ومكانتها في النظام العالمي الجديد، أو أن تبقى ساحة مفتوحة لصراعات القوى الكبرى ومشاريع التفكيك وإعادة الهندسة الجيوسياسية.
في هذا السياق، يبرز ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بوصفه أحد أبرز القادة الذين يسعون لإعادة تعريف دور الدولة العربية في القرن الحادي والعشرين، فالإصلاحات الداخلية والتحركات الخارجية التي تقودها المملكة تعكس رؤية تتجاوز حدود التنمية الاقتصادية إلى مشروع سياسي واستراتيجي واسع لإعادة الاعتبار لمفهوم الوطن العربي كوحدة حضارية وثقافية ومصلحية أهمها مواجهة مشاريع التفكيك والتحالفات العربية والإسلامية.
كان من أبرز التحديات التي واجهت القيادة السعودية مشاريع تفكيك الدول الوطنية في المنطقة، كما في اليمن والسودان وأرض الصومال وغيرها من الملفات الحساسة. وقد أظهرت التحركات السعودية إدراكاً مبكراً لخطورة انهيار الدول الوطنية، لما يحمله ذلك من تهديد مباشر للأمن القومي العربي والإقليمي، وفتح المجال أمام تدخلات خارجية تسعى لإعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحها.
وفي هذا الإطار، عملت المملكة على بناء تحالفات عربية وإسلامية، وفي مقدمتها التعاون الاستراتيجي مع مصر وعدد من الدول العربية والإسلامية، في محاولة لتشكيل جبهة سياسية وأمنية قادرة على مواجهة مشاريع التفكيك، وإعادة التوازن إلى النظام الإقليمي الذي تراجع دوره خلال العقود الماضية.
اليمن: العمق الاستراتيجي والاختبار الحقيقي
يمثل اليمن عمقاً استراتيجياً للمملكة العربية السعودية وأحد أهم مفاتيح الأمن القومي الخليجي والعربي. فاليمن ليس مجرد دولة مجاورة، بل امتداد جغرافي وبشري وأمني للمملكة، وأي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على أمن الخليج والبحر الأحمر وباب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم
الصراع في اليمن لم يعد شأناً داخلياً، بل أصبح ساحة تنافس إقليمي ودولي على النفوذ والممرات البحرية والقرار السياسي. ومن هنا، فإن استقرار اليمن يمثل اختباراً حقيقياً للرؤية الإقليمية الجديدة التي تقودها المملكة ومن هنا يترقب الشارع اليمني والعربي موعد عقد مؤتمر الرياض.
المؤتمر الجنوبي الجنوبي: بين التسوية والانقسام
يأتي احتضان المملكة للمؤتمر الجنوبي الجنوبي في لحظة حساسة، حيث يراقب الشارع اليمني والعربي هذا الحدث بين التفاؤل والقلق. فهناك من يرى فيه فرصة لإعادة القضية الجنوبية اليمنية إلى إطارها الوطني عبر الحوار والحلول السلمية، بما يحفظ وحدة اليمن وسيادته. وفي المقابل، هناك من يخشى أن يتحول إلى منصة لتعميق الانقسام وإعادة إنتاج مشاريع التشطير التي قد تمزق الدولة اليمنية وتفتح الباب لمزيد من التدخلات الخارجية.
لحظة تاريخية ومسؤولية كبرى
وهنا يقف الأمير محمد بن سلمان اليوم أمام لحظة تاريخية نادرة. يمكن أن يسجل اسمه كقائد أعاد صياغة الدور العربي والإسلامي في القرن الحادي والعشرين وأسهم في استقرار المنطقة، أو أن تضيع هذه اللحظة في حسابات قصيرة المدى وتوازنات مؤقتة.
ويظل الأمل والمسؤولية التاريخية معقودا على الاشقاء في المملكة العربية السعودية حيث أن استقرار اليمن ليس خياراً سياسياً عابراً، بل ضرورة استراتيجية لحماية المملكة والمنطقة والأمة العربية. الحل الحقيقي يكمن في دعم قيام دولة يمنية قوية تحكمها المؤسسات والدستور والقانون، بعيداً عن منطق المليشيات والصراعات المفتوحة.
+ There are no comments
Add yours