الخوف من السلطة

 

بحبر/ رئيس التحرير      

أبان سنوات دراستنا الجامعيّة المتخصصة في علم  النفس تبيّن بما لا يقبل النقاش والشك، أن الإنسان  يرث  ثلاثة  مخاوف منذ ولادته، تتمثل بالخوف من الصوت العالي المفاجىء/ الخوف من الألم / والخوف من فقدان ” السند “أو ما تُعرف  “بالإزاحة ” وعدم الإستقرار،أمّا بقية المخاوف فهي -على الإطلاق – مكتسبة.

وقبل الخوض في ملخص فكرة  كتاب  ذاع  صيته و أنتشرت  شهرته وفاقت  مبيعاته التوّقعات والأفاق،الكتاب مؤلّفه صحفي إنكليزي من أصول  كندية تولد/1963 اسمه” مالكوم  جلادويل “،أنضوى الكتاب  بعنوان ” إستثنائيون”،أود أن أقول  وأدّعي بأن الخوف هو من يجعل الناس أشراراً،كما ويسهم في صناعة الطغاة.

عودة لفكرة الكتاب الذي ناقش دواعي الأسباب  التي  تؤثر في  جعل الشخص إستثنائي وناجح ،فعّال ومؤثّر في محيطه ،كما وتناول قيمة  الفرق الحاصل ما بين الفاشلين في الحياة ومن يقابلهم من الناجحين،حيث أولّى المؤلف عناية  كبيرة بجوهر الفروق المتعلّقة بتربية العوائل  الثرية لأطفالهم ،أمام حقيقة العوائل  المتوسطة  والفقيرة،عبر محاور وعلاقات تخص كيفية التعامل  مع ممثلي السلطة،لذا نراه يعطي  مّثلاً صغيراً ،لكنه ينطوي على قضية مهمة و حاسمة تتمثل  في موضوعة  أخذ  الطفل لدى الفقراء او الطبقة المتوسطة  إلى طبيب الأسنان، فيحشون  أهله  دماغه  بالقول  هذا  الطبيب  كان قد  درس الطب  لثمان سنوات ،فهو  يعرف  كل  شيء عن أسنانك، و ما عليك غير الرضوخ  لكل  ما يقول وما يريد ،وعليك أن  تصمت  و أن تجلس هادئا، حتى  لو تأملت  فلا تبكِ أمامه. الغريب و المفاجىء في الأمر هذا أن المؤلف يوعز ذلك  إلى  تأثير ” الثورة الصناعية ” التي رسّخت  لتربية  مباعث فكرة الخوف من صاحب العمل أو المصنع ،كونه  هو من  يوّفر  لك راتبك، فيما الحال يختلف – تماماً – عند الاثرياء حيث يتم إفهام  الطفل – بذات الحالة- أن الطبيب قد درس الطب لكي  يقوم  بخدمتك على  أفضل حال،ويقولون له إعتبره  صديقك،إسعى أن تستفاد منه  قدر المستطاع ،كونه منجم معلومات ليس – فقط – لاسنانك ، بل لفمكم وكل ما يتعلق  بصحتك ،فلا تترّدد  بإطلاق أي سؤال  يخطرعلى  بالك،لا تخشى منه  شيئاً.

ان من يتأمل  أثر ذلك المثال  في واقع وحاضر ومستقبل حياتنا،سيجد  مسافة  الفروق  شاسعة وكبيرة  في حسم الكثير و المثير من  المسائل التي  تتعلق في بث و زراعة الخوف في  نفوس  الناس،بعد كل هذا أجد في الوقوف عند حدود حدث كهذا،ربما ما يعززّ فكره ذلك الكتاب،عبر جملة ما وصل وعرف عن الرئيس الروسي” جوزيف ستالين ، فبعد وفاته في العام/1953، كان عقد الرئيس الذي تلاه “خروتشوف”إجتماعاً بالقيادة السوفيتية،أظن ذلك في العام/1956،وأنبرى الرئيس الجديد منتقداً،فاضحاً سنوات حكم ستالين بكل ما فيها من قسوة وظلم وفضائح وجرائم،ليعطي بذلك  مثالاً مثالياً حيّا عن أعتى الديكتوريات وأشرسها في تأريخ بلاده،كما لم يترد الرفيق خروشوف من نعته وذمه بأقذى النعوت وشتى صنوف الاوصاف،وما أن أنتهى الإجتماع،حتى سمح للمجتمعين في القاعة كتابة قصاصات ورق مطوية تحتوي ملاحظاتهم،وعندجمعها وإستلامها ،باشر خروشوف  بالإطلاع عليها ورقة ،ورقة لكنه تفاجئ بسؤال محرج وقاتل،لحظة قراءة ما كتب أحد الرفاق من دون كتابة أسمه ،ما مفاده ؛” لماذا لم تقل إن ستالين دكتاتور عندما كان حياً ؟!”،ساد صمت مريب ولم يجبه أحد ،ثم كرر ذات السؤال ،ولم ينل على أية إجابة،ممّا أضطره لمخاطبة السائل “المجهول” قائلاً له ؛أنه ذات السبب الذي منعك -الآن- من الإعلان عن نفسك!! ولم يتردد خروشوف من ان يكمل عبارته  قائلا ؛ إنه الخوف يا رفيقي…!!

ح.ع.الحميد

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours