نمتار / عماد آل جلال

ليست قيمة المثقف في عدد ما يكتب من الكتب، ولا في كثافة حضوره على المنابر والندوات، بل في قدرته على أن يتحول إلى ذاكرة حية لعصره، وإلى ضمير يقظ يلاحق الأسئلة المؤجلة ويمنح المعنى لما يتبدد في زحام الوقائع. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى تجربة عبد الحسين شعبان، كواحدة من التجارب الفكرية العربية التي تشكلت عند تقاطع المعرفة والالتزام، وبين الثقافة وهموم الإنسان.
فالرجل الذي خرج من أرض العراق المثقلة بالتاريخ والتحولات، لم يكن مجرد باحث في القانون أو كاتب في الشأن السياسي، بل كان مشروعاً فكرياً متكاملاً ظل يتشكل عبر عقود طويلة من التأمل والنقد والحوار. ومنذ بداياته المبكرة أدرك أن الثقافة ليست ترفاً ذهنياً، وإنما مسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع، وأن المعرفة تفقد قيمتها إذا لم تتحول إلى قوة تنحاز للحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.
في مسيرة عبد الحسين شعبان تتجاور السياسة مع الفلسفة، ويتجاور القانون مع الأدب، وتتداخل أسئلة الهوية مع أسئلة الدولة والمواطنة وحقوق الإنسان. لذلك جاءت كتاباته أشبه بمحاولة دائمة لفهم العالم العربي في لحظاته الحرجة، ومساءلة الأسباب التي جعلت أحلام النهضة تتعثر أمام جدران الاستبداد والانقسام والتعصب.
لم يكن أسير فكرة واحدة، ولا سجين أيديولوجيا مغلقة. بل إن إحدى أبرز سمات تجربته تكمن في شجاعته الفكرية على مراجعة القناعات وإعادة النظر في المسلمات. ولهذا اكتسب احترام خصومه قبل أصدقائه، لأن العقل النقدي ظل حاضراً في مشروعه كأداة للفهم والتجديد، لا وسيلة للهدم أو الخصومة.
وعندما نتأمل سيرته الثقافية نجد أننا أمام نموذج نادر للمثقف الذي لم ينعزل عن قضايا عصره. فقد ظل منحازاً إلى الإنسان أينما كان، مدافعاً عن الحقوق والحريات، مؤمناً بأن العدالة ليست شعاراً سياسياً عابراً، وإنما شرط أساسي لاستقرار المجتمعات وازدهارها. ومن هنا ارتبط اسمه بالدفاع عن ثقافة حقوق الإنسان، وبالدعوة إلى بناء دولة المواطنة التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون، بعيداً عن الانتماءات الضيقة والهويات المتصارعة.
لقد عرف العراق خلال العقود الأخيرة محناً كبرى وتحولات عاصفة، وتعرض نسيجه الوطني لاختبارات قاسية. وفي خضم هذه العواصف ظل عبد الحسين شعبان يدعو إلى تغليب العقل على الانفعال، والحوار على القطيعة، والمصلحة الوطنية على الاصطفافات العابرة. وكان يرى أن الأوطان لا تُبنى بالثأر السياسي ولا بإقصاء المختلف، وإنما ببناء عقد اجتماعي يقوم على الاعتراف المتبادل واحترام التنوع.
وربما لهذا السبب يقترب حضوره من صورة المثقف العضوي كما تصورها أنطونيو غرامشي، المثقف الذي يعيش داخل مجتمعه لا خارجه، وينخرط في قضاياه لا بوصفه مراقباً محايداً، بل باعتباره طرفاً في معركة الوعي والتنوير. فالثقافة عنده لم تكن نشاطاً موازياً للحياة، بل كانت جزءاً من معركة الإنسان من أجل الحرية والكرامة والمعرفة.
إن تجربة عبد الحسين شعبان لا تختزلها الكتب التي ألّفها ولا المؤتمرات التي شارك فيها، بل تختزلها تلك الرحلة الطويلة في البحث عن الحقيقة وسط ضباب السياسة، وعن العدالة وسط اختلال موازين القوة، وعن الإنسان وسط صخب الأيديولوجيات. وهي رحلة تمنح صاحبها مكانة خاصة في سجل المثقفين العرب الذين لم يكتفوا بوصف الواقع، بل سعوا إلى تغييره بالكلمة والفكرة والموقف.




+ There are no comments
Add yours