“الجنرال في متاهته “.. حين يتحول المجد إلى عزلة

نمتار / أكرم توفيق

أكثر ما شدّني في الكتابة عن رواية (الجنرال في متاهته) ليس فقط براعة ماركيز في استحضار الأيام الأخيرة من حياة سيمون بوليفار بل ذلك الحرص المدهش على أن تكون التفاصيل الصغيرة  ولا سيما ما يتصل بنهر ماغدالينا  دقيقة ومقنعة.

فقد كان كاسترو يزوّد ماركيز بما لديه من معلومات عن النهر  وسرعته وإحداثياته  حتى يمنح الرواية صدق المكان ودقّة التفاصيل.

وهذه الحكاية تكشف لنا كيف يمكن للأدب العظيم أن يجمع بين الخيال الخلّاق والبحث الدقيق  فلا تكون الرواية حكاية تُروى فحسب  بل عالما متكاملا يُبنى بعناية.

الجنرال في متاهته

ثمة روايات لا تقرأ التاريخ بوصفه سلسلة من الانتصارات والهزائم وإنما تبحث عن الإنسان المختبئ خلف الشخصية التاريخية.

وهذا ما فعله غابرييل غارسيا ماركيز في روايته (الجنرال في متاهته) الصادرة عام 1989  حين اختار أن يقترب من الأيام الأخيرة في حياة سيمون بوليفار محرر عدد من بلدان أمريكا الجنوبية لا من موقع المؤرخ الذي يسجل الوقائع بل من موقع الروائي الذي يحاول أن يستعيد الإنسان من داخل الأسطورة.

لا يقدم ماركيز بوليفار بوصفه ذلك القائد المنتصر الذي حفظته كتب التاريخ  وإنما يضعه في لحظة مختلفة تماما  لحظة انحسار القوة  وانكسار المشروع  وتراجع الحضور السياسي واقتراب الموت.

ومن هنا تبدأ المفارقة الكبرى في الرواية  الرجل الذي استطاع أن يخرج أمما من متاهة الاستعمار يجد نفسه عاجزا عن العثور على الطريق الذي يقوده إلى خلاصه الشخصي.

متاهة لا جغرافيا لها

المتاهة في عنوان الرواية ليست مجرد مكان وإنما حالة وجودية. بوليفار يتحرك في الجغرافيا  يسافر عبر نهر ماغدالينا باتجاه الساحل الكاريبي محاولا مغادرة كولومبيا العظمى نحو المنفى في أوروبا  لكن الرحلة الخارجية ليست سوى الوجه المرئي لرحلة أكثر قسوة في داخله.

إنها رحلة رجل يحاول أن يكتشف ماذا تبقى منه بعدما فقد السلطة  وبعدما بدأت أحلام الوحدة التي ناضل من أجلها تتفتت أمامه.

وهنا تصبح المتاهة سياسية ونفسية وتاريخية في آن واحد، فالمحرر الذي حلم بتوحيد القارة يجد نفسه أمام واقع سياسي ممزق وحلفاء يتغيرون  وخصوم يزدادون  ومشروع كبير يتآكل من الداخل.ولذلك فإن السؤال الأعمق في الرواية ليس  ماذا حدث لبوليفار؟ بل  ماذا يحدث للإنسان حين يصبح حلمه أكبر من قدرة الواقع على احتماله؟.

من الأسطورة إلى الإنسان

تكمن براعة ماركيز في أنه ينزع عن بطله شيئاً من الهالة الأسطورية  ليعيد إليه هشاشته الإنسانية. نراه مريضا متعبا  غاضبا  متناقضا يستعيد النساء والأصدقاء والمعارك والخيانات  ويعود بذاكرته إلى سنوات القوة والانتصار.وهكذا يصبح الماضي حاضرا بقوة فيما يصبح الحاضر نفسه أشبه بذكرى باهتة.

هذه الثنائية بين بوليفار الذي كان وبوليفار الذي أصبح تمنح الرواية ثقلها النفسي

فالإنسان لا يموت عندما يتوقف قلبه فقط  أحيانا يبدأ موته حين يشعر أن العالم لم يعد يحتاج إلى الصورة التي صنعها عن نفسه.

الحلم حين يصطدم بالواقع

أحد أهم محاور الرواية هو الصراع بين الحلم السياسي والواقع، كان حلم بوليفار يتجاوز حدود تحرير البلدان إلى بناء كيان موحد لأمريكا الجنوبية  لكن الواقع السياسي والاجتماعي كان أكثر تعقيدا من أن يستجيب لحلم فرد واحد، وتكشف الرواية تدريجيا أن تحرير الأرض شيء  وبناء دولة مستقرة بعد التحرير شيء آخر تماماً.

وهنا يطرح ماركيز سؤالاً بالغ الأهمية:

هل يكفي أن تنتصر الثورة لكي ينتصر حلمها؟

ربما لا

فالثورات قد تنجح في إسقاط سلطة لكنها قد تعجز عن صناعة البديل، وقد يتحول المحرر نفسه إلى جزء من الصراع على السلطة  ويجد أن الذين قاتلوا معه بالأمس أصبحوا خصومه اليوم.

النهر بوصفه مرآة للروح

من أجمل ما في الرواية أن رحلة بوليفار النهرية ليست مجرد وسيلة انتقال

النهر يتحول إلى شخصية صامتة ترافق الجنرال في أيامه الأخيرة. وقد أشار ماركيز نفسه إلى أن اهتمامه بالنهر كان جزءا أساسيا من ولادة فكرة الرواية فقد كان يعرف نهر ماغدالينا وبيئته معرفة عميقة  ورأى فيه مادة روائية تستحق أن تُكتب.

النهر يمضي إلى الأمام بينما بوليفار يسير عكس الزمن.

الماء يتحرك  والمدن تتغير  والناس يتبدلون  أما الرجل فيجلس وسط الرحلة محاصرا بذاكرته.

وكأن ماركيز يقول لنا إن الزمن لا ينتظر أحدا  حتى أولئك الذين صنعوا التاريخ.

الموت الذي يسبق الموت

الرواية في جوهرها ليست عن الموت الجسدي فقط  بل عن ذلك الموت البطيء الذي يصيب الإنسان عندما يفقد مكانه في العالم.

بوليفار يعرف أن جسده ينهار  لكنه يواجه أيضا انهيار صورته السياسية. وهذا ما يجعل الرحلة الأخيرة مؤلمة فهو لا يغادر بلدا فحسب  بل يغادر مرحلة كاملة من حياته.

ومن هنا تبدو المتاهة أكثر عمقا، متاهة رجل بين ماضيه المجيد ومستقبله المجهول  بين الحلم والحقيقة  بين السلطة والمنفى  وبين الرغبة في البقاء وإدراك النهاية.

ماركيز لا يكتب التاريخ .. بل يعيد مساءلته

ربما تكون أهم قيمة فنية في (الجنرال في متاهته) أن ماركيز لا يتعامل مع التاريخ باعتباره حقيقة مغلقة.

إنه يأخذ الشخصية التاريخية ويمنحها مساحة للتخيل الروائي  فيعيد بناء دواخلها وعلاقاتها وذكرياتها وانفعالاتها. ولهذا تبدو الرواية أقرب إلى سيرة متخيلة منها إلى سيرة تاريخية تقليدية.

وهنا تظهر عبقرية ماركيز  إنه لا يسأل فقط ماذا فعل بوليفار  وإنما يسأل من كان بوليفار عندما أغلق عليه التاريخ أبوابه؟

وهذا سؤال مختلف تماما…

في النهاية .. من هو الجنرال؟

ربما يكون (الجنرال)  في الرواية رمزا لكل إنسان عاش طويلا من أجل قضية ثم اكتشف في لحظة ما أن القضية التي منحها عمره لم تعد كما تخيلها.

وقد يكون رمزا للسياسي الذي يكتشف أن السلطة مؤقتة وللثائر الذي يكتشف أن الثورة لا تنتهي بانتصاره  وللإنسان الذي يكتشف متأخرا أن أكبر انتصاراته الخارجية لا تعني بالضرورة انتصاره على ذاته.

لهذا فإن (الجنرال في متاهته) ليست رواية عن سيمون بوليفار وحده. إنها رواية عن الوحدة التي تصيب الإنسان في قمة المجد  وعن خيبة الحلم حين يصطدم بالبشر  وعن الذاكرة حين تتحول من ملاذ إلى عبء وعن الموت حين يأتي بعد أن يكون الإنسان قد بدأ يفقد شيئا فشيئا كل ما كان يمنحه معنى للحياة وربما لهذا تحديدا يبقى عنوان الرواية عالقا في الذاكرة…

الجنرال ليس في متاهة المكان

إنما في متاهة نفسه

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours