حين يكتفي القلب بقطرة وسنبلة…قراءة نقدية لقصيدة (ثمالة زهد) للشاعر حسن عبدالحميد

نمتار / أكرم توفيق

هذه القصيدة على قصرها  تنتمي إلى ما يمكن تسميته قصيدة التكثيف الصوفي  فهي لا تروي حدثا ولا تصف مشهدا بقدر ما تشيّد حالة روحية تتكئ على الاقتصاد اللغوي  وتستثمر الرمز أكثر مما تعتمد المباشرة.

يفتتح الشاعر نصه بقوله:

ما يكفيني

قطرة ماء

وسنبلة…

ومنذ البداية يضعنا أمام فلسفة الاكتفاء ، فالقطرة ليست مجرد ماء  وإنما رمز للحياة في حدها الأدنى  بينما تمثل السنبلة رمزا للخصب والعطاء والبركة. إنه لا يطلب النهر ولا الحقل الممتد بل يكتفي بقطرة وسنبلة وكأن الزهد الحقيقي ليس في الحرمان  بل في التحرر من فائض الرغبات.

ثم يقول:

أتفيىء

في ظلها

وزهو..

أقشر فيه ذنوبي

وهنا تبلغ الصورة الشعرية ذروة جمالها. فالفعل (أقشر ذنوبي) صورة مبتكرة  إذ تتحول الذنوب إلى قشرة خارجية يمكن نزعها  لا إلى جرح عميق يستحيل شفاؤه. إنها رؤية تمنح الإنسان إمكانية التطهر  لكن اللافت أن عملية التطهر تتم في حالة من الزهو  لا في حالة انكسار أو جلد للذات.

والزهو هنا ليس تكبرا  وإنما شعور بالسكينة الناتجة عن الصفاء الداخلي.

ثم يعكس الشاعر ترتيب العلاقات بين الأشياء بقوله:

أتفيء..

بالسنبلة الظل

أشرب..

من نبع القطرة

وهذا القلب التركيبي يمنح النص بعدا تأمليا ، فالظل لم يعد تابعا للسنبلة  بل أصبح السنبلة نفسها ظلا  والقطرة لم تعد نهاية الماء  بل صارت نبعا.

إنها لغة تتجاوز المنطق الواقعي إلى المنطق الشعري  حيث تتسع الدلالة كلما صغرت المفردة.

ويعود النص إلى جملته الأولى:

ما يكفيني..

لكنها في المرة الثانية تأتي أكثر امتلاء بالمعنى  لأن القارئ أصبح يدرك أن الاكتفاء ليس ماديا  وإنما وجودي وأخلاقي وروحي.

أما الخاتمة:

وأدع عيني..

يمشطها الحلم

لتغفو..!!

فهي من أجمل مقاطع القصيدة. فالحلم هنا لا يُرى بالعين  بل يمشطها وهو فعل حميم يوحي بإزالة تعب الرؤية وأوجاع الواقع  حتى تستسلم العين لنوم هادئ

إنها خاتمة تفيض بالطمأنينة  وكأن رحلة الزهد انتهت إلى سلام داخلي لا يحتاج إلى أكثر من حلم يمر برفق على العين.

فنيا يعتمد النص على:

*اقتصاد لغوي شديد يجعل كل كلمة تؤدي وظيفة دلالية وجمالية

*صور شعرية غير مألوفة  أبرزها: أقشر ذنوبي ويمشطها الحلم

*إيقاع داخلي تصنعه الوقفات المتكررة والنقاط المتتابعة فتمنح النص نفسا تأمليا متدرجا

*رموز طبيعية (القطرة  والسنبلة والظل  والنبع  والحلم) تتضافر لتكوين عالم روحي متكامل.

خلاصة القراءة:

(ثمالة زهد) ليست قصيدة عن الفقر أو التقشف بل عن الامتلاء بالقليل، إنها تؤكد أن الإنسان يبلغ غناه الحقيقي حين تتصالح روحه مع الضروري  وحين يصبح الحلم هو الماء الذي يغسل البصيرة والسنبلة هي الوطن الذي يستظل به القلب.

لقد استطاع حسن عبد الحميد أن يقدّم نصا قصيرا في حجمه  واسعا في أفقه التأويلي  تتجاور فيه الحساسية الصوفية مع حداثة الصورة  في قصيدة تظل مفتوحة على قراءات متعددة  وهذا من أبرز علامات الشعر الحقيقي.

 

نص قصيدة ” ثمالة زهد”

شعر/ حسن عبدالحميد

ما يكفيني..

قطرة ماء

وسنبلة أتفيىء

في ظلها

و زهو..

أقشر  فيه ذنوبي

أتفيء..

بالسنبلة الظل

أشرب..

من نبع القطرة

مايكفيني..

وأدع عيني..

يمشطها الحلم

لتغفو..!!

 

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours