ليس بالنخل وحده يحيا العراق..!

نمتار / نصير شمه

ليست القضية اليوم قضية مؤسسة ثقافية تواجه صعوبات في الاستمرار، بل قضية تتعلق بمكانة الثقافة نفسها في العراق وبقدرتنا على حماية ما أُنجز خلال سنوات طويلة من العمل والإخلاص. فالمؤسسات الثقافية المستقلة لا تُقاس بما تمتلكه من موارد، وإنما بما تتركه من أثر في الوعي الجمعي، وما تحفظه من ذاكرة وطن، وما تتيحه للأجيال من معرفة وجمال وأمل. ومن هذا المنطلق، تمثل مؤسسة “نخيل عراقي” الثقافية واحدة من أبرز التجارب العراقية التي استطاعت، منذ انطلاقها عام 2009، أن تبني مشروعاً ثقافياً متكاملاً يقوم على التوثيق والنشر والحوار والاحتفاء بالمبدعين، وأن تتحول إلى مساحة تجمع الأدباء والفنانين والباحثين والمفكرين من العراق والعالم العربي، بعيداً عن الاصطفافات الضيقة، وبإيمان راسخ بأن الثقافة هي القاسم المشترك الذي يحفظ هوية الشعوب ويصون ذاكرتها.

لقد نجحت المؤسسة، بإمكانات محدودة وجهود تطوعية، في بناء منصة ثقافية واسعة تضم موقعاً إلكترونياً، ومكتبة رقمية، وأرشيفاً للصور والمواد المرئية، وإصدارات ثقافية، وحوارات، وملفات توثيقية، ومبادرات لدعم المواهب الشابة والتعريف بالرموز العراقية والعربية. وتشير البيانات المعلنة إلى أن موقعها تجاوز سبعة عشر مليون زيارة، وأن منصاتها الرقمية يتابعها مئات الآلاف من المهتمين، وهي أرقام تؤكد أن الثقافة الجادة ما زالت تجد جمهورها عندما تُقدّم برؤية معاصرة وإدارة مخلصة. غير أن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في قيمتها الإحصائية وحدها، بل في معناها الحقيقي؛ فهي تعني ملايين اللحظات التي اختار فيها إنسان أن يقرأ قصيدة، أو يتعرف إلى كاتب، أو يشاهد حواراً ثقافياً مع موسيقي، أو يطالع دراسة أو خبراً ثقافياً، في وقت أصبحت فيه الثقافة تنافس كماً هائلاً من المحتوى السريع والعابر.

إن «نخيل عراقي» لم تكتفِ بتغطية النشاط الثقافي، بل أصبحت جزءاً من صناعتها. فقد أعادت الاعتبار إلى المبدع العراقي، وفتحت أبوابها أمام الأصوات الجديدة، ووثقت سير الرواد، وحفظت آلاف المواد التي ستغدو مع مرور الزمن مرجعاً لا غنى عنه للباحثين والطلاب والمؤرخين والإعلاميين. وما تراكم فيها من صور ووثائق ومقابلات وشهادات وإصدارات لا يمثل أرشيفاً لمؤسسة بعينها، بل جزءاً من الذاكرة الثقافية العراقية التي يصعب تعويضها إذا تعرضت للضياع.

إن خسارة مؤسسة من هذا النوع لا تعني توقف موقع إلكتروني أو انقطاع نشاط ثقافي، بل تعني فقدان سنوات طويلة من العمل المعرفي والتوثيقي، وتعني أيضاً توجيه رسالة سلبية إلى كل من يؤمن بأن الثقافة تستحق أن تُبنى وأن تُصان. لذلك فإن مسؤولية الحفاظ على هذه التجربة لا تقع على عاتق القائمين عليها وحدهم، وإنما هي مسؤولية مشتركة تتحملها الدولة ومؤسساتها الثقافية، والقطاع الخاص، والجامعات، والمصارف، ورجال الأعمال، والمؤسسات الوطنية، وكل من يدرك أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، وأن الإنسان لا يُبنى إلا بالعلم والثقافة والفنون.

إننا ندعو جميع الجهات الرسمية والأهلية، وكل الشخصيات الثقافية والفكرية والإعلامية، إلى الوقوف إلى جانب مؤسسة «نخيل عراقي» ودعم استمرار رسالتها، ليس بوصفها مؤسسة تحتاج إلى المساندة، بل بوصفها مشروعاً وطنياً أثبت حضوره وأهميته، وأسهم في تقديم صورة مشرقة عن العراق وثقافته وإبداعه. فالأمم لا تُقاس بما تمتلكه من ثروات مادية فحسب، بل بما تحفظه من تراث، وما ترعاه من معرفة، وما تمنحه لمبدعيها من فرص للاستمرار والعطاء.

إن الثقافة ليست ترفاً يمكن الاستغناء عنه عند الأزمات، بل هي أحد أعمدة الأمن المجتمعي والهوية الوطنية والتنمية المستدامة. وكل دينار يُستثمر في مشروع ثقافي جاد هو استثمار في مستقبل العراق، وفي حماية ذاكرته، وفي بناء أجيال أكثر وعياً وقدرة على صناعة الحياة. ومن هنا، فإن دعم «نخيل عراقي» هو في جوهره دعم للعراق نفسه، لذاكرته، ولصورته الحضارية، ولحق أبنائه في أن يبقى الإبداع حياً ومتجدداً. إن المؤسسات الثقافية قد تواجه الصعوبات، لكن مسؤولية المجتمع أن يحول دون انطفاء المنارات التي أثبتت أنها قادرة على خدمة الوطن بإخلاص واستقلالية، لأن الذاكرة إذا ضاعت، لا يمكن استعادتها، أما إذا حُميت ورُعيت، فإنها تبقى منارة تهدي الأجيال وتمنح الوطن مستقبلاً أكثر إشراقاً.

إن حماية «نخيل عراقي» ليست حماية لمؤسسة، بل حماية لذاكرة العراق الثقافية، والذاكرة مسؤولية وطنية لا يجوز التفريط بها.

..  موسيقار

فنان اليونسكو للسلام

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours