أمسية حوارية  عن رواية «هروب نحو القمة» للكاتب أحمد الزاويتي

نمتار / متابعة

شهد مركز الشباب في أربيل – أفينو، مساء السبت، جلسة حوارية نظمها نادي المدى للقراءة، خُصصت لمناقشة رواية «هروب نحو القمة» للكاتب والإعلامي أحمد الزاويتي، بحضور مجموعة من أعضاء النادي وعدد من المهتمين بالشأن الأدبي والثقافي.

وتناولت الأمسية الرواية من زوايا متعددة، فجمعت بين القراءة الأدبية والتحليل التاريخي والإنساني، وركزت على أحد أكثر الأحداث مأساوية في تاريخ الكرد الحديث، وهو الهجرة المليونية نحو الحدود التركية والإيرانية في ربيع عام 1991، التي شكّلت المحور الرئيس للرواية، من خلال قصة عائلة واحدة تتحول إلى مرآة لمأساة شعب بأكمله.

وأكد المشاركون أن الرواية لا تكتفي بتسجيل وقائع الهجرة الجماعية، بل تعيد بناء تلك المرحلة عبر رؤية إنسانية عميقة، تتجسد في رحلة بطلها «أوميد» الذي يفقد أفراد أسرته الواحد تلو الآخر خلال رحلة الهروب القاسية، حتى يصل وحيداً إلى مخيم اللاجئين على الحدود التركية، ليصبح الأمل الوحيد الباقي والشاهد على المأساة.

واستوقفت الحضور قدرة الكاتب على اختزال مأساة مئات الآلاف من النازحين في مصير عائلة صغيرة، بحيث تحولت الشخصيات إلى رموز ذات دلالات أوسع؛ فأوميد يعني الأمل الذي يبقى رغم الكوارث، بينما يجسد الرضيع «سرهلدان» انتفاضة عام 1991، وترمز «بهيفان» و«كانيك» إلى حجم التضحيات الإنسانية التي دفعتها العائلات الكردية في تلك الأيام.

ومن أبرز محاور النقاش السؤال الذي طرحه المشاركون حول طبيعة الرواية: هل هي رواية تاريخية أم عمل توثيقي؟ وقد خلصت المداخلات إلى التمييز بين كتابة التاريخ وكتابة الرواية؛ فالتاريخ يسعى إلى توثيق الوقائع وفق منهج علمي، أما الرواية فتعيد إنتاج الحقيقة الإنسانية من خلال الفن والخيال والشخصيات. ورأى المشاركون أن «هروب نحو القمة» تستند إلى أحداث واقعية موثقة، لكنها تقدمها ضمن بناء روائي يجعلها أقرب إلى الشهادة الوجدانية منها إلى السرد التاريخي التقليدي، وهو ما يمنحها قوة التأثير والقدرة على إحياء الذاكرة الجمعية.

كما تناولت الأمسية الخلفية الصحفية للمؤلف، والتي انعكست بوضوح على الرواية من خلال الدقة في رسم الأمكنة، ووصف الأحداث، وتفاصيل الحياة اليومية، مع المحافظة في الوقت نفسه على البعد الإبداعي والإنساني للنص، وهو ما منح الرواية خصوصية تجمع بين عين الصحفي وخيال الروائي.

وتوقف النقاش أيضاً عند دلالة عنوان الرواية «هروب نحو القمة»، حيث رأى المشاركون أن اختيار كلمة «نحو» بدلاً من «إلى» لم يكن اعتباطياً، إذ إن القمة لا تمثل نهاية الرحلة أو الانتصار، وإنما اتجاه اضطراري نحو النجاة، بما يعكس حالة الهاربين الذين كانوا يسيرون نحو المجهول بحثاً عن ملاذ آمن، لا عن نصر أو خلاص مكتمل.

وأشاد الحضور باللغة الأدبية للرواية، وبكونها كُتبت مباشرة باللغة العربية رغم أن موضوعها يتناول قضية كردية خالصة، معتبرين ذلك إضافة مهمة إلى المكتبة الروائية العربية، وإسهاماً في تعريف القارئ العربي بإحدى أكثر المحطات مأساوية في التاريخ الكردي المعاصر.

كما استعرضت الأمسية المسار الطويل الذي استغرقه إنجاز الرواية، إذ أوضح الكاتب في إحدى شهاداته أن فكرة العمل رافقته منذ أيام الهجرة عام 1991، وتحولت تدريجياً من مذكرات يومية إلى قصص قصيرة، قبل أن تستقر في شكلها الروائي بعد أكثر من ستة وعشرين عاماً من الكتابة والمراجعة وإعادة البناء، الأمر الذي منح النص كثافة إنسانية وفكرية واضحة.

وتطرق المشاركون إلى الحضور النقدي والأكاديمي للرواية، مشيرين إلى أنها لم تقتصر على القراءات الصحفية، بل أصبحت موضوعاً لدراسات جامعية وبحوث نقدية تناولت بنيتها اللغوية والسردية، وهو ما يعكس مكانتها ضمن الأعمال التي وثقت، فنياً وأدبياً، ذاكرة الهجرة المليونية عام 1991.

واختتمت الأمسية بالتأكيد على أن «هروب نحو القمة» ليست مجرد رواية عن الحرب أو اللجوء، بل عمل أدبي يحول الذاكرة الفردية إلى ذاكرة جماعية، ويعيد تقديم واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في التاريخ الكردي من خلال قصة إنسانية مؤثرة، لتبقى شاهداً أدبياً على معاناة الإنسان حين تتحول الحروب إلى قدر يومي، وعلى بقاء الأمل حياً حتى في أكثر اللحظات قسوة.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours