نمتار / بقلم حنان بديع
لطالما رددنا العبارة الشهيرة: «فاقد الشيء لا يعطيه»، وكأنها حقيقة لا تقبل النقاش. فإذا حُرم الإنسان الحب، قيل إنه لا يستطيع أن يحب. وإذا افتقد الأمان، قيل إنه عاجز عن منحه للآخرين. وإذا عاش طفولة قاسية، افترضنا أنه سيعيد القسوة نفسها في علاقاته. لكن هل الأمر بهذه البساطة حقًا؟
ربما يكون فاقد الشيء أكثر الناس قدرة على إعطائه أحيانًا، لأنه يعرف، من الداخل، كيف يبدو غيابه، نحن نعطي أحيانًا ما كنا نتمنى الحصول عليه.
هناك أشخاص يبالغون في منح الآخرين الأشياء التي حُرموا منها. ليس بالضرورة بحثًا عن تعويض مباشر، وإنما لأن الحرمان جعلهم أكثر حساسية تجاه احتياجات الآخرين.
الأم التي عاشت طفولة خالية من الاحتضان قد تصبح أمًا لا تبخل على أطفالها بالعناق. والرجل الذي لم يسمع في طفولته كلمات التقدير قد يصبح شريكًا حريصًا على التعبير عن امتنانه. والشخص الذي ذاق الخذلان قد يكون أكثر الناس وفاءً حين يجد من يستحق الوفاء.
كأن الإنسان يقول للحياة، بطريقة غير معلنة: “لن أسمح بأن يتكرر ما حدث لي مع شخص آخر”..
وهنا يتحول الألم إلى وعي، والحرمان إلى حساسية، والتجربة القاسية إلى رغبة في حماية الآخرين منها.
لكن فاقد الشيء قد لا يعطيه أيضًا، فبعض الناس يعيدون إنتاج ما تعرضوا له. الطفل الذي تربى على العنف قد يصبح عنيفًا، والشخص الذي عاش الإهمال قد يهمل الآخرين، ومن لم يعرف الحوار قد يلجأ إلى الصمت أو القسوة كلما واجه خلافًا، ليس لأن الشر متأصل فيه، ولكن لأن الإنسان غالبًا يعطي من الأدوات التي تعلمها
وبين جرح يتحول إلى قسوة وجرح يتحول إلى رحمة.. الفرق الحقيقي ربما لا يكمن في الشيء الذي فقدناه، وإنما في الطريقة التي تعاملنا بها مع فقدانه.
هناك من يحمل جرحه كأنه حكم مؤبد، فينقل ألمه إلى الآخرين. وهناك من ينظر إلى جرحه باعتباره درسًا قاسيًا، فيقرر ألا يجعل أحدًا يدفع ثمنه.
وهنا تظهر واحدة من أجمل قدرات الإنسان: أن يكسر سلسلة الألم بدل أن يورثها.
وقد يكون أجمل انتصار يحققه الإنسان على ماضيه أن يمنح الآخرين الشيء الذي ظل يبحث عنه طويلًا، دون أن ينتظر منهم أن يعوضوه عنه.
ففاقد الحنان قد يصبح مصدر حنان
وفاقد الأمان قد يصبح وطنًا صغيرًا لمن حوله
وفاقد التقدير قد يكون أول من يصفق للآخرين
وفاقد الحب قد يكون، أكثر الناس قدرة على الحب
ليس لأن الجرح لم يؤلمه، بل لأنه قرر ألا يجعل ألمه يؤذي أحدًا بعده.
وهنا فقط، لا يعود فاقد الشيء مجرد شخص حُرم من شيء، بل يصبح إنسانًا استطاع أن يحول نقصه إلى معنى، وألمه إلى رحمة، وما لم يحصل عليه إلى هدية يمنحها للآخرين.

+ There are no comments
Add yours