نمتار / المعمار علاء معن*

إذا كان الفن البصري، بما يقدمه من منحوتات ونصب وجداريات، يمنح المدينة هويتها وذاكرتها المستقرة في الحجر والبرونز والمكان، فإن الفنون الحية، من موسيقى وفعاليات أدائيّة، تبث فيها الروح والحركة. فالبيئة الحضرية ليست مجرد كتل صماء ومجسمات جامدة، بل هي مسرح إنساني متجدد تتشابك فيه العمارة مع إيقاع الحركة البشرية، وتتكامل فيه هندسة الصوت واللون مع هندسة الفراغ. ومن هنا تستند فلسفة الفنون المسرحية والموسيقية في الفضاء العام على تحويل الفراغ العمراني من مجرد ممر وظيفي إلى منصة للتفاعل الإنساني والتبادل الثقافي، بحيث يصبح حضور الإنسان نفسه جزءاً من التكوين الحضري للمكان.

تاريخياً، ولدت الفنون الحية في الفضاءات المفتوحة: في المسارح الإغريقية، والملاحم الشعبية، والفرق الجوالة، قبل أن تنتقل تدريجياً إلى داخل الأبنية وقاعات العرض. ومن ثم فإن إعادة هذه الفنون إلى الشارع والساحة والحديقة لا تمثل عودة إلى الماضي بقدر ما هي استعادة لوظيفة أصيلة للفن، حين كان جزءاً من الحياة العامة لا نشاطاً منفصلاً عنها.
إن خروج العرض المسرحي أو العزف الموسيقي إلى قلب الحدائق والساحات يتجاوز الترفيه العابر ليصبح وسيلة فاعلة لصياغة الوعي الجمعي، وإعادة اكتشاف المكان، وتعزيز شعور الإنسان بالانتماء إليه. وقد أدركت مدن عديدة حول العالم هذه الإمكانية، فحولت شوارعها وساحاتها إلى مسارح مفتوحة تستقطب الجمهور، وتخلق تفاعلاً اجتماعياً وثقافياً واسعاً، وتمنح المدينة حياة إضافية تتجاوز ساعات العمل في أماكن العمل المختلفة.

ولا تقتصر الفنون الحية على بعدها الثقافي المؤقت، بل يمكن أن تتحول إلى محرك للتنمية العمرانية والاجتماعية والاقتصادية، من خلال إعادة تفعيل الفراغات المنسية، وتحويل الحدائق المهملة والساحات الكبرى إلى نقاط جذب جماهيري تستعيد حضورها الطبيعي وأمانها من خلال كثافة التواجد الإنساني. فالمكان الذي تدب فيه الحياة، ويستعيد علاقته بالناس، يصبح أكثر قدرة على حماية نفسه من العزلة والإهمال.
وتبرز هنا تجربة شارع المتنبي بوصفها نموذجاً بغدادياً جديراً بالتأمل. فقد افتتح الشارع بحلته الجديدة في ديسمبر 2021 ضمن رؤية “نهضة بغداد”، التي مثلت إحدى مقومات إنضاج المواطنة وإثراء الهوية البغدادية وتأصيلها بكل عمقها الجغرافي والتاريخي والثقافي.

وقد شكل افتتاح شارع المتنبي نقطة تحول مهمة في فلسفة إدارة الفضاء العام، إذ نجح في إعادة جذب الجمهور البغدادي إلى عمقه التاريخي والتراثي، وكسر الحالة التي عانى منها وسط بغداد التاريخي حين كانت المدينة تتحول، بعد انتهاء ساعات العمل، إلى فضاءات تكاد تخلو من الحياة.
وفي الأشهر الأولى من افتتاح الشارع، شهد المكان تنسيقاً وزخماً واضحاً في النشاطات الثقافية والموسيقية والمسرحية الرصينة والهادفة، أسهمت في جذب الجمهور البغدادي وإعادة تفاعله مع المكان. وتميزت هذه الفعاليات بتنوعها، ولا سيما العروض المسرحية التي شملت المسرح الجاد، ومسرح الدمى، والعروض الإيمائية الصامتة، والعروض الموجهة للأطفال، إلى جانب أمسيات فنية وثقافية متعددة.
وقد أكدت هذه التجربة أن العلاقة بين المدينة والإنسان هي مركز الثقل الحقيقي في عملية الانتماء، فالمدينة ليست مجرد عمران قائم، وإنما هي الشاهد الحي على التاريخ، والفضاء الذي تتشكل فيه ذاكرة الناس وتتعزز فيه علاقتهم بالمكان.
وفي تلك الأيام تحول شارع المتنبي إلى كرنفال فني وثقافي امتزجت فيه الموسيقى العالمية بالأهزوجات البغدادية، وعروض الأزياء بالرسم الحي، وسط حضور جماهيري لافت. ولم تتوقف الفعاليات عند حدود المشهد البصري، بل امتدت لتمنح الليل البغدادي حياة ثقافية ومسرحية نوعية، من خلال استضافة مهرجان مسرح الشارع العربي بالتعاون مع وزارة الشباب والرياضة.
وهنا تكمن أهمية تجربة المتنبي: أنها لم تقدم فعالية ثقافية عابرة، وإنما أثبتت أن إدارة الفضاء العام، حين تقترن بالثقافة والفنون، تستطيع أن تعيد إنتاج المكان اجتماعياً وحضرياً. فالمكان لم يعد مجرد شارع تاريخي يستعاد في النهار، بل أصبح فضاءً يمكن أن يعيش ليلاً أيضاً، وأن يستقطب شرائح مختلفة من المجتمع، وأن تتحول فيه الثقافة إلى ممارسة يومية في قلب المدينة.
إن النجاح الذي حققه شارع المتنبي لا ينبغي أن يبقى جزيرة ثقافية منعزلة، بل يمكن أن يتحول إلى نموذج استراتيجي يمتد إلى شرايين بغداد ومساحاتها الحيوية الأخرى، بحيث يصبح الفن جزءاً من منظومة إدارة المدينة، لا حدثاً استثنائياً مرتبطاً بمناسبة أو موسم.
ويمكن لحديقة الأمة، بوصفها رئة بغداد في منطقة الباب الشرقي، أن تتحول إلى مسرح مفتوح للعروض والمهرجانات، فيما يمكن لحدائق أبي نؤاس أن تستعيد دورها بوصفها الامتداد الطبيعي لضفاف دجلة، من خلال تكامل تنفيذ مشروع الأعمال النحتية ذات المقياس البشري مع الأنشطة المسرحية والموسيقية المسائية، لتلتقي الفنون البصرية بالفنون الحية في فضاء واحد.
كما يمكن إعادة توظيف مبنى المتصرفية في زقاق السراي ليكون حاضنة ثقافية ومحطة مركزية للفعاليات الفنية، بينما يمتلك شارع الرشيد، بما يحمله من تاريخ وذاكرة، المقومات التي تؤهله لاحتضان مهرجانات مسرح الشارع وعروض الإضاءة والموسيقى. ويمكن أن تتحول ساحة الرصافي وساحة الوثبة وغيرهما من التقاطعات الحيوية إلى بؤر بصرية وحية، تتناغم فيها النصب والأعمال النحتية مع الأنشطة الثقافية التفاعلية المفتوحة.
ولا يعني ذلك أن تقام الفعاليات بصورة عشوائية أو موسمية، وإنما أن تكون جزءاً من برنامج حضري وثقافي متكامل، يدرس طبيعة كل فضاء، وطاقته الاستيعابية، وعلاقته بالمباني المحيطة به، وحركة المشاة، والضوضاء، وأوقات الاستخدام، ونوعية الجمهور، بحيث تتكامل الفعالية الفنية مع المكان بدلاً من أن تكون عبئاً عليه.
ومن هنا تعود الحاجة إلى تفعيل مقترح “اللجنة العليا لإدارة الفن العام في مدينة بغداد”، التي يمكن أن تتولاها أمانة بغداد بالتعاون الوثيق مع الجهات ذات العلاقة، وفي مقدمتها وزارة الثقافة، ونقابة الفنانين وجمعية الفنانين التشكيليين والفرق المسرحية والموسيقية الرصينة، واتحاد الأدباء، وكليات ومعاهد الفنون الجميلة، وكليات وأقسام العمارة في الجامعات العراقية، إلى جانب الجهات الأكاديمية والمهنية ذات الصلة.
ولا ينبغي أن تقتصر مهمة هذه اللجنة على الفنون البصرية من منحوتات ونصب وجداريات، بل ينبغي أن تتسع رؤيتها لتشمل منظومة الفن العام بمختلف أشكالها، بما فيها الموسيقى والمسرح والعروض الأدائية والفعاليات الثقافية، بحيث تضع أجندة سنوية متكاملة لتفعيل الفنون البصرية والسمعية في الفضاء العام، وتوزيعها مكانياً وزمنياً ضمن رؤية واضحة ومستدامة.
فالمدينة التي تمتلك منحوتاتها وجدارياتها، لكنها تخلو من الموسيقى والمسرح والحركة الإنسانية، تبقى مدينة مكتملة الصورة ناقصة الروح؛ أما حين تتكامل فيها الفنون التي تُرى مع الفنون التي تُسمع وتُعاش، فإن الفضاء الحضري يتحول إلى كيان حي، يتنفس بأهله، ويحتفي بتاريخه، ويمنح الإنسان سبباً جديداً للعودة إلى مدينته.
إن بغداد تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لأن تكون فضاءً ثقافياً مفتوحاً: تاريخاً استثنائياً، وذاكرة مكانية غنية، وشوارع وساحات وحدائق قابلة لإعادة الاكتشاف، وأجيالاً من الفنانين والموسيقيين والمسرحيين والأدباء. وما تحتاجه هو أن تتحول هذه الإمكانات من مبادرات متفرقة إلى سياسة ثقافية حضرية مستدامة.
وعندها يمكن أن تصبح بغداد، لا مجرد مدينة تحتوي على الفن، بل مدينة يصبح فيها الفن جزءاً من حياتها اليومية؛ مسرحاً مفتوحاً في ساحاتها، وموسيقى في حدائقها، وجداريات في شوارعها، ونحتاً في فضاءاتها، وفعاليات تستعيد بها المدينة ليلها وذاكرتها وحيويتها.
عندها فقط لا يعود الفضاء العام مجرد مكان نمر به، بل مكاناً نرغب في البقاء فيه؛ وتغدو بغداد مسرحاً حياً، وواحة للأمل والبهجة، ومرآة متجددة لثقافة الحياة والجمال.
أمين بغداد السابق*

+ There are no comments
Add yours