نمتار / برهان المفتي
بعد أن انتهى موسم جعل من أغلب العراقيين خبراء في تحليل تكتيكات كرة القدم، بدأ- بدون تحضير- موسم جعل من الجميع خبراء في التنوع البيولوجي، وتصاعدت النداءات والصرخات لحماية الثروة المائية، وخاصة السمكية من غزو السلور الأفريقي- والذي هو نوع من أنواع الجري، شرهة جداً، لها قدرة تناسل مخيفة، والعيش في أسوأ الظروف، وفم واسع لالتهام كل ما في الماء.
وموضوع التنوع البيولوجي في العراق موضوع جديد نسبياً، وأذكر أنني خلال إحدى الحكومات العراقية بعد ٢٠١٢، التقيت في بغداد مع أعلى مسؤول تنفيذي في مجال البيئة، وجرى اللقاء بحضور مسؤولين آخرين، وكان هدفي من اللقاء هو عرض فكرة بيئية إلى وزارة البيئة، لاستخدام الطاقة المتجددة لإضاءة المخازن، دون الحاجة لأي كهرباء، وتوفير مبالغ ضخمة، وتحسين جودة هواء داخل المخازن وتقليل العفونة كذلك، وهي فكرة نفذتها بنجاح خارج العراق. وبعد شرح استمر ساعة عن مميزات الفكرة وفوائدها، قال لي المسؤول التنفيذي الأول عن ملف البيئة في العراق- حينها- وأشار بيده ” نعم أعرف هذا الموضوع، هذا يسمونه التنوع البيولوجي”! فلم أستطع- من صدمة التعليق- أن أناقش ذلك، وطلبت من الذي كان معي حجز طائرة العودة فوراً.
كان هذا مؤشراً مقلقاً- حينها- عن مستوى إدارة ملف البيئة في العراق، وبخاصة مفهوم التنوع البيولوجي، ولكننا خلال أيام رأينا في العراق أكبر عدد من المتخصصين في التنوع البيولوجي، وكل واحد منهم يقدم رؤيته وحلوله لحماية الثروة المائية في العراق، رغم أننا نعرف أن طائر الفلامنكو المهاجر يكون مصيره الصيد والقتل، وأن طائر الزرزور (البعيجي) مصيره مزة على وسهرات الكيف
هذا هو المجتمع العراقي بتناقضاته، وبقدرته على الخوض في كل بحر عميق حتى دون معرفة مبادىء الغوص والسباحة، وحتى عمق الماء الذي فيه يغوصون.
ومن مظاهر ضعف الاهتمام بالتنوع البيولوجي في العراق، أن الحمام المطوق العراقي (الفخاتي) قد اختفى، وحلّ محله حمام آخر أصغر حجماً، وبلون أقرب للوردي المدخن، دون أي دراسة عن سبب ذلك الاختفاء من أي جهة بيئية، رغم أنني وجهت نداءً بذلك في ٢٠٠٩، ولدي لقاء إذاعي مسجل أجراه معي نبيل الحيدري (وهو نفسه الأستاذ مؤيد الحيدري).
وربما يطبق العراقي حالة “سبع صنايع والبخت ضايع”، فرغم أنه يناقش في أي موضوع وعلم ومسألة بمستوى نقاش خبير أو خبيص – لا فرق- إلا أنه عاجز عن معرفة أسباب ومعالجة الكثير من مشاكله، حتى أن النتلة الكهربائية صارت نعمة، في بلد لم يستطع إصلاح منظومة الكهرباء منذ أكثر من ربع قرن، رغم أن كل عراقي أستاذ في هندسة الكهرباء، وتحويل الخط من الوطنية إلى المولدة..
المشكلة ليست في السلور الأفريقي، بل في أن العراقي يحب أن يخوض في كل بحر، قبل أن يتعلم السباحة، وإن تعلم، غاص في الماء بلا معدات ولا معرفة بتياراته.

+ There are no comments
Add yours