نمتار / د. ناصر زيدان
تسعى موسكو لاستعادة المنهجية التي كان يعتمدها الاتحاد السوفياتي السابق لتعزيز حضورها الدولي، ولكن بقالبٍ ليبرالي يرفع شعار الحرية وتأمين سلامة الكوكب. وهي تنظِّم “القمة العالمية الشعبية” بين 17 و19 أيلول/سبتمبر، ومن المتوقع أن تكون أكثر شمولية من القمة الأولى التي انعقدت في ذات المكان العالم الماضي، وكان قد حضرها ما يقارب 5000 شخصية، ومن مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية والفنية والعلمية، ينتمون الى 153 دولة.
عند الاطلاع على برنامج المنتدى وعناوين فعالياته الرئيسية؛ يتبين أن روسيا تدفع من خلاله لتعزيز حضورها السياسي والثقافي والإنساني على المستوى الدولي، وتؤكد أن التواصل الإنساني ضرورة لا يمكن القفز فوقها في سياق تطور مسيرة البشرية، كما تُشير الى أن روسيا بشعوبها المتنوعة كانت على الدوام تواقة لتحقيق ترابط بين المكونات الرسمية والشعبية في العالم، من دون أن يكون ذلك بهدف الهيمنة او السيطرة على إرادة الشعوب الأخرى، بل من أجل فتح قنوات تواصل وتعاون بنوايا طيبة، تختلف عن الأساليب التي كان يعتمدها “الاتحاد السوفياتي”، والتي كانت تخفي خطة للترويج للعقيدة الشيوعية.
تفعيل روسيا لأنشطة التعاون الأفقي مع الحكومات المختلفة في العالم، ومع شخصيات ومنظمات من الشعوب الأخرى؛ يُعيد احياء تقليد قديم درجت عليه موسكو، ومن خلال هذا التواصل كانت ترفع شعار تحقيق السلام وتوفير الاستقرار. وهي تنظم سنوياً “منتدى بطرسبرغ الاقتصادي الدولي” رغم ظروف الحرب التي تعيشها منذ ما يزيد عن الأربع سنوات مع جارتها اللَّدودة أوكرانيا، كما أنها استضافت مؤتمرات تعاون مع دول ومع منظمات جهوية ومع مجالس إقليمية، ومن بينها المنتدى الروسي – العربي الذي عقد بموسكو في 23 تموز/يوليو الماضي.
في برنامج “القمة العالمية الشعبية الثانية” هذا العام مجموعة من العناوين التي تتطلَّع الى تحقيق أهداف مهمة، ومنها تحديد رؤية لمستقبل البشرية المشترك، من خلال تقديم التجارب التاريخية، وعرض الواقع الراهن، ومدى تأثير تطور الفضاء الرقمي على نمطية حياة الناس. وكيف يمكن تحديد المشتركات التي تُساعد على توفير الاستدامة والاستقرار، بما لا يتعارض مع التنوع الثقافي والإثني واللغوي والتعلمي، مع الإصرار على الحفاظ على التراث الإنساني والحضاري للشعوب على اختلافها.
ولعلَّ الأبرز في الطموحات المُشار اليها؛ هو اعتماد “ميثاق قيم” للعالم الجديد، يتناول موضوع الحفاظ على الاسرة، بعيداً عن المفاهيم الدخيلة، تحديداً موضوع رفض “المثلية” أو ما يطلق عليه حرية تحديد الجنس، حيث أنها مهمة حصرية للخالق (وهو ما أوحت به مقدمة الدعوة). وتُشير المقترحات المطروحة للمناقشة في أروقة القمة الى أهمية الحفاظ على كرامة الانسان وجودة حياته، وتوفير بيئة مناسبة تحترم القيم الروحية والإخلاقية، ضمن فضاء تحكمه المسؤولية والعدالة والثقة. وتأخذ الشعارات التي تتعلَّق بأهمية الحفاظ على السلام والاستقرار والأمن حيِّزاً هاماً من المناقشات.
روسيا تحاول ترسيخ نمطية جديدة (او متجدِّدة) في سياق العمل الدولي، يدفع باتجاه تكريس نظام تعددية قطبية، يرفض هيمنة الثنائية او الأُحادية، وتحاول اعلاء شأن تأثير القوة الناعمة في سياق العلاقات الدولية، على اعتبار أن القيم الإنسانية، والتوجهات الأخلاقية، ركائز يمكن أن تؤسس لتعاون، بعيد عن ظواهر الانفلات الأخلاقي، وبما لا يتعارض مع الحريات العامة التي لا يجب المساس بها، او اعادتها الى القوالب الجامدة التي وضعت فيها سابقاً.
الحرب في أوكرانيا تعتبر نقطة ضعف قاسية تواجه الاندفاعة الروسية، لكن مقومات تأكيد الحضور الدولي لروسيا متوافرة، وهي تملك شبكة واسعة من العلاقات الدبلوماسية، ولديها قوة اقتصادية وازنة، لا سيما في أسواق النفط والغاز، وقدرتها العسكرية والنووية لم تتراجع، برغم بعض التشوهات التي أصابتها من جراء الحرب الدائرة، وهي حافظت على نفوذها الإقليمي في المحيط الحيوي، ولم تُفرِّط بمسارات التعاون القائمة مع دول متعددة، ومنها دول التزمت بالعقوبات المفروضة على موسكو من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي منذ العام 2014، وهي طوَّرت منسوب التعاون السياسي والاقتصادي مع الصين والهند والجامعة العربية، ودفعت بعلاقاتها مع دول افريقية خطوات الى الأمام في السنوات الأخيرة.
الاختلال الكبير في التوازنات الدولية، كما “الجنوح الإخلاقي” الذي يصيب بعض الجماعات؛ يعطي فرصة لروسيا كي تستعيد حضورها على الساحة الدولية، والرئيس فلاديمير بوتين أطلق حملة واسعة ضد المثلية الجنسية، ودفع باتجاه اصدار قوانيين صارمة، تمنع الترويج لها، وأُدرجت “حركة المثليين” ضمن المنظمات الإرهابية والمتطرفة. وقد أيَّد الناخبون الروس التعديلات الدستورية التي تؤكد على مفهوم الأسرة التقليدي كونه شراكة بين الرجل والمرأة تحديداً.
دعوة عدد كبير من قادة الرأي والمختصِّين الى منتدى موسكو؛ فرصة لإحداث عصف أفكار حول مستقبل الحياة البشرية، كما أنه فرصة لروسيا لإثبات حضورها المعنوي على الساحة العالمية.

+ There are no comments
Add yours