نمتار / فائق العبودي

في سنة 1996، وتحديدًا في مساء يوم 31/8، احتفلت بمعرضي الشخصي الأول، الذي حمل عنوان «بغداد حبيبتي»، وكان ذلك اليوم يصادف يوم ميلادي.
ترددت كثيرًا قبل أن أخطو هذه الخطوة، لكن تشجيع الأصدقاء الفنانين والأساتذة الكبار منحني الثقة والجرأة للمضي بها. وأذكر منهم بكل محبة وامتنان الفنان الدكتور صبيح كلش، والفنان مطيع الجميلي الذي خط بيده إعلان المعرض، والأستاذ الراحل مخلد المختار رحمه الله، والأستاذ الراحل خضر جرجيس رحمه الله، والفنان تحسين الناشئ، والصديق الدكتور مزهر الخفاجي، وكذلك المرحوم أبو خالد، مدير قاعة الإناء التي احتضنت المعرض.
اليوم، وبعد كل هذه السنوات، أعود بذاكرتي إلى تلك الأيام، إلى أزقة بغداد القديمة، إلى الشناشيل، إلى المدينة العتيقة، وإلى تفاصيلها التي ما زالت تسكنني…
مهووس بالقديم، الأثر، الرمز،تشققات الجدران، والشخبطات التي تركتها الأيدي عليها، والغبار، وعتق المكان الذي صنعته السنوات… كل ذلك كان يثيرني ويستوقفني كثيرًا. لم أكن أرى في هذه الجدران مجرد بناء قديم يحتاج إلى الترميم، بل كنت أرى فيها لوحة رسمها الزمن بيده؛ طبقة فوق طبقة، وذكرى فوق ذكرى، حتى أصبحت لها جماليتها الخاصة.
لذلك أرسمها بكل هذه الأحاسيس. أرسم جدرانها مغبرة، عتيقة، متعبة من الزمن، لكنها في عيني جميلة. لا أرغب في أن أُحدّث صباغة الجدران، ولا أن أمسح آثار السنين عنها؛ أريدها كما هي، بكل تشققاتها وشخبطاتها وعتقها… جميلة في نظر المحب.
فالجمال بالنسبة لي ليس دائمًا في الشيء الجديد والمكتمل، بل قد يكون في أثر الزمن عليه، وفي الحكايات التي تركها الناس والأيام فوقه.
كل جدار كان يحمل حكاية، وكل باب يخفي وراءه حياة، وكل زاوية كانت تستفز خيالي وتدعوني إلى تأملها ورسمها.
وما أكثر الحنين حين يتعلق الأمر ببغداد..
قبل أيام، كنت أستضيف صديقًا سويسريًا وزوجته، وكان يتأمل إحدى اللوحات طويلاً، ثم قال لي:
«لقد أيقظت الحنين بداخلي»
ضحكت وقلت له:
«أي حنين هذا؟»
فقال:
«لقد نقلتني إلى حارات الشام القديمة»
فقلت له: نعم، هناك شيء من التشابه، لكن هذه بغداد القديمة
ثم قلت له:
إذا كنت أنت، وقد شاهدت هذه الأماكن مرة أو مرتين، تقول إن اللوحة أيقظت الحنين في داخلك، فكيف بمن عاش هذه الأزقة، ومشى في حاراتها، وتشبع بتفاصيلها، وحفظ وجوهها وأبوابها وشناشيلها، وعاش بين جدرانها سنوات العمر؟
ماذا يقول ذلك الذي عاش بغداد؟
وكيف يكون حنينه؟
ربما لا تكفي الكلمات لوصفه..
فبعض المدن لا تسكن في الذاكرة فقط، بل تسكن في الروح
بغداد حبيبتي…
بعد كل هذه السنين، عدت إليك، لأرسمك من جديد، لأنكِ ما زلتِ توقظين الحنين..
دمتم بألف خير
اللوحة للفنان فائق العبودي

+ There are no comments
Add yours