نمتار / بقلم: حنان بديع
هل نحب الإنسان لأنه هو، أم لأنّه يحقق لنا ما نريد؟ ولماذا يبدو حب الحيوان أكثر صدقًا في كثير من الأحيان؟
الحب كلمة صغيرة، لكنها تحمل في داخلها عالمًا واسعًا من المشاعر والاحتياجات والتوقعات. نبحث عنه منذ طفولتنا، ونقيس به شعورنا بالأمان والانتماء، ونحتاج إلى أن نشعر بأن هناك من يحبنا لا بسبب ما نملكه أو ما نقدمه، بل لأننا ببساطة نحن.
لكن في كثير من العلاقات الإنسانية، يتحول الحب من شعور حر إلى عقد غير مكتوب: أحبك ما دمت ترضيني، وأقترب منك ما دمت تحقق توقعاتي، وأمنحك اهتمامي ما دمت تتصرف بالطريقة التي أريدها. وهنا يظهر ما يسمى بـ الحب المشروط.
عادة ما نستقبل في طفولتنا رسائل غير مباشرة مثل: سنحبك أكثر إذا تصرفت كما نريد.
ومع مرور الوقت، نتعلم أن الحب شيء يجب أن نكسبه، وليس حقًا إنسانيًا قائمًا على القبول والاحتواء. والحقيقة أن الإنسان كائن معقد؛ فهو لا يعيش الحب وحده، بل يعيش معه الخوف والاحتياج والغيرة والمصلحة والتوقعات والتجارب السابقة.
لهذا السبب تحديدا نشعر أمام الحيوانات بشيء مختلف. فالكلب، مثلًا، لا يسألك عن شهاداتك ولا راتبك ولا مكانتك الاجتماعية. لا يهتم إن كنت ناجحًا أو فاشلًا، غنيًا أو فقيرًا. وقد يفرح بعودتك إلى المنزل كما لو أنك أهم شخص في العالم.
الحيوان لا يعيش الحب بالطريقة العقلية التي يعيشها الإنسان، ولا يمكن القول إنه يقدم مفهومًا فلسفيًا للحب غير المشروط. لكنه يستطيع أن يقدم ارتباطًا ووفاءً وتعلقًا عاطفيًا مباشرًا لا يقوم على حسابات اجتماعية معقدة.
من أكثر الأشياء التي تلمس القلب في علاقة الإنسان بالحيوان أن الحيوان لا يحمل دفترًا لتسجيل الأخطاء.
قد تغيب عنه أيامًا، ثم تعود، فيستقبلك بفرح. وقد تكون حزينًا أو متعبًا أو صامتًا، فيجلس إلى جوارك دون أن يطالبك بتفسير. ذلك لأن علاقته بالإنسان اعتمادًا على مفهوم المصلحة الاجتماعية الذي يميز كثيرًا من العلاقات البشرية.
أما لماذا؟ هذا السؤآل الكبير ،، فربما لأن الإنسان يخاف ، يخاف الهجر، الخيانة، أو الخوف من أن يعطي أكثر مما يأخذ. لذلك يحاول أحيانًا أن يضع شروطًا تحميه من الألم. وهنا لا يعود السؤال: هل نحب؟
بل يصبح: ماذا سنحصل عليه مقابل هذا الحب؟
ربما لا يوجد حب إنساني خالٍ تمامًا من الاحتياجات والتوقعات، لكن يمكن أن نقترب من مفهوم الحب غير المشروط عندما نتعلم أن نفرق بين حب الشخص وقبول كل أفعاله واختلافه عنا في الرأي والطباع. ويمكننا أن الابتعاد عنه عندما تصبح العلاقة مؤذية، دون أن أنكر أننا أحببنا يومًا بعنف وصدق.
ربما لا نحتاج إلى أن نضع الإنسان والحيوان في مقارنة أخلاقية، فلكل منهما طبيعته وقدراته واحتياجاته. لكن الحيوانات تستطيع أن تعلمنا شيئًا فقدناه أحيانًا وسط ضجيج الحياة :أن العلاقة لا تحتاج دائمًا إلى شروط كثيرة حتى تكون عميقة.
وربما لهذا السبب تحديدًا، حين نشعر بأن البشر أصبحوا أكثر قسوة وتعقيدًا، نبحث عن حيوان صغير نضع رأسه في أحضاننا، فنشعر للحظات أن العالم ما زال يعرف معنى الوفاء.

+ There are no comments
Add yours