الاستراتيجية  والامن الدولي في القرن الحادي والعشرين

  نمتار / علاء الدين مكي خماس*

فرغتُ – مؤخرا- من إعداد المسودة الأولى لكتابي الجديد (الاستراتيجية والأمن الدولي في القرن الحادي والعشرين) ، حيال الانتهاء من وضع خاتمته العامة، بعد رحلة طويلة من البحث والكتابة والمراجعة.

وقد دفعني إلى تناول هذا الموضوع ما يشهده عالمنا من تحولات متسارعة أعادت الاستراتيجية والأمن الدولي إلى صدارة الاهتمام. فبعد مرحلة شاع فيها الاعتقاد بأن الاعتماد الاقتصادي المتبادل والتقدم التكنولوجي قد يقللان احتمالات الحروب الكبرى، جاءت الحرب الروسية–الأوكرانية لتعيد الحرب الواسعة بين الدول إلى قلب التفكير الاستراتيجي، وتؤكد استمرار أهمية الجغرافيا والقوة العسكرية والقاعدة الصناعية والتحالفات والردع.

ثم جاءت الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما أثارته من تداعيات إقليمية وعالمية، لتكشف مرة أخرى أن الصراع المعاصر لا يقتصر على ميدان القتال، بل يمتد إلى الاقتصاد والطاقة والملاحة والفضاء السيبراني والمعلومات. كما أظهر الاستخدام الاستراتيجي للمواقع الجغرافية، وفي مقدمتها مضيقا هرمز وباب المندب، أن الجغرافيا لم تفقد أهميتها في عصر التكنولوجيا، وأن التحكم في ممر بحري أو تهديده يمكن أن يؤثر في أسواق الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد على مستوى العالم.

وأظهرت هذه الصراعات كذلك أن الدولة، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع دائمًا مواجهة التهديدات منفردة. فقد عزز حلف شمال الأطلسي دعمه لأوكرانيا وإجراءاته الردعية والدفاعية على جناحه الشرقي، بينما اتجهت قوى إقليمية إلى بناء ترتيبات دفاعية جديدة لمواجهة المخاطر المتزايدة. ويأتي في هذا السياق اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، بوصفه تعبيرًا عن اتجاه متنامٍ نحو إقامة شراكات وتحالفات إقليمية تعزز الردع الجماعي وتقلل الاعتماد الكامل على الضمانات الخارجية التقليدية.

وقد أكدت هذه التطورات أن الحرب لم تختفِ، وأن الردع لم يفقد أهميته، وأن التكنولوجيا لم تُلغِ الجغرافيا أو الإنسان أو الإرادة السياسية. لكنها غيّرت أدوات القوة وسرعة استخدامها، ووسعت مجالات الصراع، وربطت الأمن العسكري بالاقتصاد والطاقة والمعلومات والتكنولوجيا والممرات الحيوية.

وقد جاء الكتاب في اثني عشر فصلًا مترابطًا، تبدأ ببحث مفهوم الاستراتيجية وتطور الفكر الاستراتيجي، ثم القوة الوطنية، والأمن الدولي، والنظام الدولي وتوازن القوى، والجغرافيا السياسية وأثرها في الاستراتيجية والأمن. وتتناول الفصول التالية: الردع في الفكر الاستراتيجي المعاصر، والتحالفات والأمن الجماعي، والحروب وتحولاتها المعاصرة، والتكنولوجيا والتحولات في الشؤون العسكرية، والبيئة الاستراتيجية والأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، وصولًا إلى الفصل الثاني عشر والأخير: الاستراتيجية والأمن الدولي في القرن الحادي والعشرين، الذي يجمع خيوط الكتاب ويناقش الثابت والمتغير في التفكير الاستراتيجي، ومستقبل القوة والأمن في عالم سريع التحول. وتأتي بعد ذلك الخاتمة العامة لتلخص أبرز النتائج وتستشرف بعض المسارات المحتملة للمستقبل.

وتتمثل الفكرة المركزية للكتاب في أن التطور التكنولوجي، مهما بلغ مداه، لا يلغي جوهر الاستراتيجية، ولا يحل محل القيادة والإرادة والغاية السياسية وفهم الخصم. فالقوة لا تكتسب قيمتها من حجمها وحده، بل من القدرة على توجيهها وتحويلها إلى نتيجة سياسية قابلة للاستمرار.

وقد ختمتُ الكتاب بهذه الكلمات:

«إن نجاح الاستراتيجية لا يتحدد بحجم القوة وحده، بل بوضوح الغاية، وحسن تقدير الواقع، وفهم الخصم، واختيار الوسائل الملائمة، والمحافظة على الإرادة والمرونة، وإدراك النتائج التي قد تتجاوز النية الأولى للقرار. فالعالم قد يتغير، والتكنولوجيا قد تتسارع، وموازين القوة قد تنتقل من طرف إلى آخر، لكن الحاجة إلى التفكير الاستراتيجي الرشيد ستبقى قائمة ما دامت الدول تتنافس، وما دامت المصالح تتعارض، وما دام المستقبل محكومًا بالاحتمال وعدم اليقين».

وتبدأ الآن مرحلة المراجعة النهائية والإعداد للنشر، آملًا أن يقدم هذا الكتاب إضافة نافعة للطلاب والباحثين والمهتمين بالدراسات الاستراتيجية والأمن الدولي.

 

*لواء ركن متقاعدد

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours