* نمتار / أكرم توفيق

قرأت نص الشاعر والإعلامي حسن عبد الحميد وفيه مادة وجدانية وفكرية مهمة جداً ولا سيما فرحته بأن تحمل جامعة في الناصرية اسم زها حديد وهو موقف يستحق التوقف عنده لأنه يتجاوز حدود التكريم إلى معنى أعمق العراق حين يكرّم أبناءه الكبار لا يسأل عن مدينة أو محافظة بل يحتفي بمنجز عراقي ينتمي إلى الوطن كله.
وأرى أن المقال يمكن أن يبنى على مفارقة جميلة أن تكون الناصرية مدينة أور وسومر سبّاقة إلى إطلاق اسم زها حديد على صرح جامعي بينما مسقط أصلها الموصل ونينوى أولى بأن يكون لها معلم يخلّد اسمها ويليق بمكانتها العالمية.
لم يكن خبر إطلاق اسم المعمارية العراقية العالمية زها حديد على جامعة في مدينة الناصرية خبراً عابراً بالنسبة لي ولا أستطيع أن أخفي فرحتي به كما لا أستطيع أن أتجاهل الدلالة الكبيرة التي يحملها هذا التكريم حتى وإن جاء من مدينة تقع في أقصى جنوب العراق لامرأة تنتمي بجذورها إلى أقصى شماله.

وقد كان أجمل ما في الخبر بالنسبة لي هو ذلك الفرح الغامر الذي عبّر عنه الشاعر الصديق حسن عبد الحميد وهو يتلقى نبأ جامعة زها حديد في الناصرية. فرح لم يكن باسم مدينة فحسب وإنما باسم العراق كله العراق الذي استطاعت زها أن تحمل اسمه إلى عواصم العالم وأن تجعل من العمارة لغة عراقية يفهمها الجميع.
إن تكريم الناصرية لزها حديد هو في جوهره تكريم للعراق وهو أيضاً رسالة جميلة تقول إن المبدع العراقي لا تحدّه الجغرافيا وإن ابنة الموصل يمكن أن تجد لها اسماً خالداً في الناصرية كما يمكن لابن البصرة أو الناصرية أو بغداد أن يجد مكانه في ذاكرة الموصل.
لكن هذا الفرح نفسه يدفعني إلى سؤال مشروع وربما إلى عتاب محبّ ..
أين تكريم زها حديد في الموصل؟
زها حديد ليست اسماً عادياً في سجل المعماريين العراقيين أو العالميين. إنها واحدة من أبرز الأسماء التي غيّرت مفهوم العمارة في العالم وكسرت القوالب التقليدية وحوّلت المبنى من كتلة جامدة إلى فضاء نابض بالحركة والديناميكية. وقد حملت اسم العراق إلى أهم العواصم والمؤسسات والمنجزات المعمارية في العالم.
والأهم بالنسبة إلينا في نينوى أنها موصلية الأصل تنتمي جذورها إلى هذه المدينة التي أنجبت عبر تاريخها الطويل علماء وشعراء وفنانين ومفكرين ومبدعين في شتى المجالات.
ومن هنا فإنني أرى أن من واجب الحكومة الاتحادية وحكومة نينوى المحلية أن تلتفتا إلى هذه القامة العراقية العالمية لا من باب المجاملة ولا من باب استعادة اسم في مناسبة عابرة وإنما من باب ردّ الاعتبار إلى شخصية أصبحت جزءاً من الذاكرة الحضارية للعراق والعالم.
وليس المطلوب بالضرورة مشروعاً باهظ الكلفة ، يمكن أن يكون التكريم نصباً تذكارياً يليق باسمها في مكان حضاري بارز من الموصل أو تسمية أحد المعالم الثقافية أو العلمية أو الهندسية باسمها أو إطلاق اسمها على مؤسسة تعليمية أو مركز للعمارة والتصميم أو إنشاء رابطة أو مركز زها حديد للعمارة والفنون والتصميم يكون منبراً للأجيال الجديدة من المهندسين والمصممين والطلبة.
بل إنني أذهب أبعد من ذلك لماذا لا يكون في الموصل مركز علمي ومعماري باسم زها حديد، يحتضن الدراسات والبحوث والمسابقات المعمارية ويمنح الشباب فرصة للتعرف إلى تجربة هذه المرأة التي خرجت من العراق ثم عادت إليه من بوابة العالمية؟
إنها ليست مجرد تسمية شارع أو بناية ، نحن نتحدث عن ذاكرة مدينة وعن امرأة أصبحت جزءاً من تاريخ العمارة العالمية ولذلك فإن مبادرة الناصرية تستحق الإشادة لا الغيرة منها. فالناصرية لم تأخذ زها من الموصل وإنما أعادت زها إلى العراق من بوابة أخرى.
وهذا ما التقطه حسن عبد الحميد بذكاء حين رأى في هذا التكريم دليلاً على أن العراق من شماله إلى جنوبه وطن واحد لا تتجزأ فيه قيمة الإنسان بحسب مكان ولادته أو جذوره.
لكننا في نينوى نستطيع أن نفعل أكثر
بل ربما ينبغي لنا أن نفعل أكثر
إذا كانت الناصرية قد كرّمت زها حديد بجامعة تحمل اسمها فإن الموصل مطالبة بأن تكرّمها بما يليق بابنتها العالمية.
وأنا من موقعي كإعلامي وكاتب وموصلي أتمنى أن يصل هذا النداء إلى رئاسة مجلس الوزراء والحكومة الاتحادية وإلى حكومة نينوى ومجلسها وإلى نقابة المهندسين والجامعات والمؤسسات الثقافية لأن تكريم زها حديد ليس شأناً عائلياً أو موصلياً ضيقاً وإنما هو شأن عراقي بامتياز.
لقد كرّمت مدن العالم زها حديد حين أقامت لها المشاريع واحتفت باسمها حين أنجزت لها المباني وخلّدت تجربتها في الكتب والمعارض والمتاحف والجامعات
فهل يعقل أن يظل العراق والموصل تحديداً أقل احتفاء بإحدى بناته اللواتي رفعن اسمه عالياً؟
إن زها حديد لا تحتاج إلى تكريمنا كي تصبح عظيمة فقد صنعت عظمتها بنفسها..
نحن الذين نحتاج إلى تكريمها كي نقول للأجيال القادمة إن هذه المرأة العراقية التي خرجت من الموصل استطاعت أن تجعل العالم كله يتحدث بلغة العمارة التي ابتكرتها.
ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نحول اسم زها حديد من صورة في الذاكرة إلى معلم حيّ في مدينتها الأصلية.
فلتكن في الموصل ساحة أو نصب أو جامعة أو مركز علمي أو مؤسسة ثقافية تحمل اسم:
زها حديد ابنة الموصل التي شيّدت للعراق مكاناً في عمارة العالم
وأخيراً كل الشكر للناصرية ولمن بادر إلى إطلاق اسم زها حديد على جامعتها فقد ذكّرتنا من حيث أرادت أن تكرّم امرأة عراقية بأن المبدعين العراقيين ملكٌ للعراق كله وأن تكريمهم يمكن أن يبدأ من الجنوب لكنه لا ينبغي أن يتوقف قبل أن يصل إلى مدنهم التي أنجبتهم.
وهنا تحديداً يبقى السؤال موجهاً إلينا نحن أبناء الموصل:
متى يكون لزها حديد معلم يليق باسمها في مدينتها؟
*كاتب وناقد من العراق

+ There are no comments
Add yours