بين واشنطن وطهران… من دفع ثمن الصراع؟

نمتار / خالد الطشي

“من صرخة الموت إلى الخراب… هل حان وقت العودة إلى الوطن؟”.

على مدى عقود من الصراع في الشرق الأوسط، انشغلت الشعوب بشعارات المواجهة ومحاور النفوذ والمعارك المفتوحة. لكن مع كل حرب وأزمة كان سؤال واحد يفرض نفسه: من الذي حقق مصالحه في النهاية، ومن الذي دفع الثمن؟ واليوم، بعد سنوات طويلة من الدماء والدمار، تبدو الإجابة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.

قبل أكثر من عشرين عاماً ظهرت في شمال اليمن صرخة سياسية رفعت شعارات كبيرة وأحلاماً أكبر. قيل للناس إن المعركة ضد أمريكا وإسرائيل، وإن طريق النصر يمر عبر المواجهة والتعبئة والحشد المستمر. كانت الكلمات حماسية، والشعارات صاخبة، والوعود ضخمة. لكن أحداً لم يخبر اليمنيين يومها أن الثمن قد يكون دولة تتآكل، وشعباً يزداد فقراً، ومستقبلاً يُنتزع من أجيال كاملة.

مرت السنوات، وتحولت الصرخة من شعار إلى مشروع، ومن مشروع إلى قوة عسكرية، ومن قوة عسكرية إلى سلطة استولت على مؤسسات الدولة. ومع كل مرحلة كانت المبررات تتغير، لكن النتيجة بقيت واحدة: المزيد من الحروب والانقسام والدماء.

قيل إن الهدف محاربة الفساد، فازداد الفساد. وقيل إن الهدف رفع الظلم عن المواطنين، فتضاعفت معاناتهم. وقيل إن المعركة دفاع عن الكرامة والسيادة، فتحولت البلاد إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية.

ولم يكن اليمن استثناءً. فالمشهد نفسه تكرر بدرجات مختلفة في لبنان والعراق وسوريا وغزة. شعوب دفعت أثماناً باهظة، واقتصادات انهارت، ومؤسسات تراجعت، ومجتمعات استنزفتها الحروب والانقسامات.

وفي قلب هذا المشهد برز ما سُمي بمحور المقاومة باعتباره مشروعاً عابراً للحدود يجمع قوى وتنظيمات مختلفة تحت عنوان مواجهة النفوذ الأمريكي والإسرائيلي. لكن بعد عقود من الصراع يبرز السؤال الأهم: ماذا حققت شعوب هذه الدول من كل تلك التضحيات؟

هل تعززت مؤسسات الدولة؟ هل تحسنت حياة المواطنين؟ هل تراجعت معدلات الفقر والبطالة؟ هل أصبحت العواصم العربية أكثر أمناً واستقراراً؟

الواقع يجيب بوضوح:

لقد دفعت الشعوب الفاتورة كاملة، بينما كانت القوى الإقليمية والدولية تدير صراعاتها ومفاوضاتها وفقاً لمصالحها الخاصة. فالدول الكبرى لا تتحرك بالشعارات، بل بالحسابات الاستراتيجية والمصالح القومية. وما يبدو صراعاً وجودياً في العلن قد يتحول إلى تفاهمات وصفقات عندما تلتقي المصالح.

ومن هنا ينظر كثيرون إلى العلاقة الأمريكية الإيرانية باعتبارها أحد أهم مفاتيح فهم ما جرى ويجري في المنطقة. فسنوات طويلة من التوتر والمواجهة لم تمنع وجود قنوات تفاهم ومفاوضات واتصالات مباشرة وغير مباشرة حول ملفات النفوذ والأمن والطاقة والبرنامج النووي وترتيبات الشرق الأوسط.

وفي الوقت الذي كانت فيه شعوب المنطقة تدفع أثمان الحروب والحصار والانهيار الاقتصادي، كانت القوى الكبرى تبحث عن مصالحها وتتفاوض من أجل مصالحها وتبرم التفاهمات التي تحقق مصالحها.

وهنا يبرز السؤال الأكثر إيلاماً:

إذا كانت الولايات المتحدة وإيران قادرتين في نهاية المطاف على الوصول إلى تفاهمات أو اتفاقات تخدم مصالحهما، فما الذي جناه اليمنيون واللبنانيون والعراقيون والسوريون والفلسطينيون من عقود الصراع؟

ماذا جنى لبنان غير الأزمات والانهيار؟ وماذا جنى اليمن غير الحرب والجوع والانقسام؟ وماذا جنت بقية الساحات التي تحولت إلى خطوط تماس مفتوحة بين المشاريع المتنافسة؟

الحقيقة المؤلمة أن الشعوب كانت الخاسر الأكبر في كل الأحوال ، فأمريكا ما زالت تدافع عن مصالحها، وإيران ما زالت تسعى إلى تعزيز نفوذها وحماية مصالحها الاستراتيجية، وإسرائيل ما زالت تفرض وقائع جديدة على الأرض. أما المواطن العربي فهو الذي دفع الثمن من أمنه واستقراره واقتصاده ومستقبل أبنائه.

لقد آن الأوان لمراجعة شاملة وصريحة لكل التجارب التي قامت على منطق الشعارات العابرة للحدود. آن الأوان لأن تسأل الشعوب: هل خدمت هذه المشاريع أوطانها أم استنزفتها؟ هل عززت الدولة أم أضعفتها؟ هل صنعت التنمية أم صنعت الأزمات؟

إن المستقبل لا يمكن أن يُبنى على الحروب المفتوحة، ولا على احتكار الحقيقة، ولا على فرض الوصاية السياسية أو الدينية أو السلالية على المجتمعات. المستقبل يبدأ عندما يعود الجميع إلى مفهوم الدولة الوطنية، دولة يتساوى فيها المواطنون أمام القانون، وتكون فيها المؤسسات فوق الجماعات، والوطن فوق المشاريع الخارجية.

واليمن اليوم بحاجة إلى مدارس وجامعات ومصانع وفرص عمل وقضاء عادل واقتصاد قوي، أكثر من حاجته إلى شعارات جديدة أو جولات جديدة من الصراع. وهو بحاجة إلى مصالحة وطنية حقيقية تعيد بناء الثقة بين أبنائه وتفتح باب المستقبل أمام الأجيال القادمة.

وبقدر ما تبدو المنطقة مقبلة على تحولات سياسية كبرى، فإن الحكمة تقتضي الاحتكام إلى العقل والحوار قبل أن تتغير الحسابات وتتبدل الموازين. فالتفاهمات الإقليمية والدولية لا تبقى على حال، والمصالح تعيد رسم التحالفات باستمرار، وقد يأتي يوم يكتشف فيه الجميع أن ما اعتقدوا أنه ثابت لم يكن سوى مرحلة عابرة في صراع أكبر.

بعد عشرين عاماً من الصرخة، لم يعد السؤال كيف نواصل الصراع، بل كيف ننقذ ما تبقى من الوطن. وكيف نعيد اليمن إلى أبنائه، والدولة إلى مؤسساتها، والسياسة إلى طاولة الحوار.

فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بالسلام والعدالة والتنمية والشراكة الوطنية. واليمن يستحق أن يكون وطناً لجميع أبنائه، لا ساحة لصراعات الآخرين ولا ضحية لمشاريعهم.

والله غالب على أمره..

2026/6/21

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours