نمتار / برهان المفتي
تتلاطم الأخبار المليارية، وتتنافس فيما بينها، أي منها أشد ضربة على رؤوسنا. مليارات منهوبة مسروقة، بطرق وسيناريوهات يشعر منها مؤلفو ومخرجو الأفلام الهندية بالخجل، والعجز، لمحدودية خيالهم السينمائي الدرامي.
مليارات في كل مكان وعقد ووزارة، كأنّ أنبوباً ضخماً ينقلها وقد تكسر، وانتشرت الدولارات المليارية بدون سيطرة ولا رقابة، فدخلت جيوباً تعرفها جيداً، فالمال يعرف مَن يحبه ليقترب منه، ويبتعد عن صاحب الحظ البائس، ذلك الذي لا يعرف حتى كم من الأصفار في المليار. هذه نتيجة حتمية لمنهجية فساد استمرت سنوات، ربما الشيء المبهر الوحيد منذ ٢٠٠٣ هو هذه القدرة العجيبة في إدارة الفساد، وتنمية مصادر الفساد وإدامته. فقد نجحت هذه المنهجية في جعل الفساد في العراق مستداماً، يحفظ حق الفاسد الآني وينقل ما يسرق ويختلس لأجياله القادمة، في تطبيق ممتاز لاستراتيجية الإدارة المستدامة.
لدينا شيء يمكن أنْ نقول أننا نجحنا فيه، وهو بناء نموذج فساد تنافسي ليس مثله لدى أي جهة، هذا إنجاز يحسب لنا جميعاً، كلنا مشتركون في هذا الفساد، لا أحد خارج الدائرة، أو لا ينتمي للمجموعة. الفساد منظومة متكاملة والكل حريصون على إدامة حلقاته بتزييت السلسلة حتى لا” تتزنجر”، الكل يمارسه، ويعلم به ثم يتغافل عنه.
هناك قول إنّ كل شيء يسعى الى الكمال دون أنْ يبلغه، لكننا اثبتنا فشل هذا القول بأننا حققنا الكمال التام في مسعانا للفساد، وليس لدينا فرع آخر في أي مكان، منتج حصري غير قابل للتقليد حتى باستخدام سوبر كمبيوتر وتطبيقات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، لدينا عقول جبارة في هذا المجال، حتى في تربة وبيئة غير قابلة للإصلاح الزراعي، لكن بالإخلاص للفساد، نقدر على أنْ نحول حتى تلك التربة إلى مزرعة منتجة، ثمارها عقود وهمية، وأسعار فلكية واختلاسات مليارية، وعصابات عائلية.
وبعد خبر تنور مسگوف خمسة ملايين دولار، ليس غريباً أن نسمع بنفر تكة بكل شيش دفتر دولارات، وربما دولمة مليارية، ينتظرها (جائعون) حول صينية قطرها قطر البلاد، يجلس حولها رههؤوس الفساد وأعضاء شبكاتهم، ثم يقوم أبرعهم في قلب (جدر) الدولمة العملاق، وتلك وجبة شهية لا قِبَل لأحد برفضها، ولا احد يجرؤ على مغادرة الوليمة.


+ There are no comments
Add yours