نمتار / د. ناصر زيدان
الزيارة التي قام بها رئيس إقليم كردستان العراقي الى دمشق؛ لا يمكن فصلها عن الحراك العام الذي يجري في المنطقة، وهي جزء من نشاط مُتسارع له أهدافه الاقتصادية والنفطية والجيوسياسية، وللزيارة تأثير على الوضع داخل سوريا، نظراً للعلاقة التي تربط قوات سوريا الديمقراطية “قسد” وقادة أربيل.
تعرَّضت زيارة نيجيرفان بارزاني الى سوريا لإنتقادات من الجهات الكردية التي تربطها علاقات مع طهران، وبعض الأوساط العراقية لم تُهلِّل للمباحثات التي جرت في 3 آب/اغسطس بدمشق، كونها تناولت مواضيع اقتصادية واستثمارية على صلة بالنفط والطاقة، وحكومة بغداد كانت قد أبرمت اتفاقات مع الحكومة السورية حول التعاون في هذا السياق إبان زيارة وزير خارجية العراق فؤاد حسين الى دمشق نهاية حزيران/يونيو الماضي، ومنها تأهيل خطوط جرّ النفط من كركوك الى بانياس على الساحل السوري.
الرئيس السوري أحمد الشرع تعامل مع ضيفه الكردستاني بإهتمامٍ كبير، يُشبه ما يحصل مع رؤساء الدول التي تزور سوريا، حتى أن علم كردستان ظهر مقابل علم سوريا خلف منصة الاستقبال، بينما في اجتماع انطاليا الذي جرى بين الرجلين على هامش المنتدى الدولي الدبلوماسي في نيسان/ابريل الماضي؛ وضع علم العر اق خلف بارزاني وبجانبه علم اقليم كردستان. وللرئيس الشرع حسابات خاصة واستراتيجية من وراء هذا الاهتمام، كما لرئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني اعتبارات هامة دفعته للقيام بالزيارة في هذا التوقيت بالذات.
توم باراك الوسيط الأميركي في تسوية الخلاف بين حكومة دمشق و”قسد” اعتمد على مساعدة قادة إقليم كردستان، وهؤلاء بذلوا جهوداً كبيرة لإقناع قادة الجبهة بالاندماج في سياق الوحدة السورية، والتخلِّي عن أي مطالب انفصالية، وسارت الأمور على ما رُسم لها في اتفاق 28 كانون الثاني/يناير 2026 ، باستثناء بعض الملفات الخلافية التي ما زالت تحتاج لمعالجة، ومنها تحديداً موضوع دمج المُجندات الكرديات في صفوف الجيش العربي السوري، لأن قيادة هذا الجيش ترفض ادخال النساء ضمن كتائبه المقاتلة، وتقترح دمجهم مع قوى الأمن الداخلي. كذلك فإن ملف التعليم وتصنيف الجامعات القائمة في مناطق نفوذ “قسد” يحتاج لمعالجة، ولم تنتهي مسألة الاعتراف ببعض الشهادات الصادرة عن هذه المؤسسات حتى الآن، برغم أن السلطات السورية الجديدة اعتمدت الكردية كلغة ثانوية يمكن التدريس فيها في مدارس وجامعات بالشمال السوري، وهناك بعض التباين الذي يحتاج لمعالجة في موضوع استعادة الجنسية من قبل بعض المواطنين السوريين الأكراد.
ومجالات التعاون بين سوريا وإقليم كردستان تتوسَّع الى مساحات جديدة، منها اقتصادية واستثمارية، يمكن معها اشراك الإقليم في شبكة التنمية الاستراتيجية التي تستند الى فتح ممرات لنقل البضائع والنفط والغاز والركاب بين منطقة الخليج العربي وأوروبا مروراً بتركيا، ويبدو أن انقرة رفعت الحضر عن التعامل مع حكومة أربيل، ونيجيرفان بارزاني حضر المنتدى العالمي الذي عقد في انطاليا كما أشرنا أعلاه.
والتعاون السياسي بين القيادة السورية وحكومة إقليم كردستان، له أهمية خاصة في ظل التوترات والحروب الدائرة، ويمكن أن يساعد في احداث توازنات جديدة على الساحة العراقية، تحدّ من تنامي حالة العداء لسوريا عند بعض المجموعات من الحشد الشعبي التي ترتبط بصداقة مع طهران، وقد تساعد رئيس الحكومة الجديدة علي الزيدي على استكمال خطته في جمع السلاح من الميليشيات وحصر حمله بالقوى النظامية. وإقليم كردستان تحمَّل الكثير من الصعاب من جراء انفلاش السلاح في العراق، وآخر هذه الصعاب كانت استهداف المسيرات والصواريخ المتفلِّتة مواقع في الإقليم، وغالبية هذه الإستهدافات خرجت من مراكز لمجموعات موالية لإيران.
تؤكّد التسريبات التي أعقبت لقاء الشرع ببارزاني؛ أن تسوية المشكلات الباقية مع “قسد” ستسير بإتجاه المحطة النهاية، ووفد “قسد” حضر بالتزامن الى دمشق لهذه الغاية، والاندماج الكامل لإدارة الشمال الشرقي بالمؤسسات السورية سيُعلن قريباً. والبارزاني حرِص في تصريحه الذي أعقب المحادثات مع الشرع على تأكيد وحدة سوريا، وعلى التعاون مع الحكومة المركزية في كل الملفات ضمن الأصول التي يسمح بها الدستور العراقي للإقليم. وفي هذه الإشارات نية واضحة على رفض المرجعية الكردية لأي حسابات تفتيتية، وانخراطها في سياق التفاهمات الجارية في المنطقة.
الوضع الداخلي في سوريا سيستفيد الى حدود كبيرة من تطور التعاون مع كردستان، لما لذلك من تأثير على شريحة شعبية سورية وازنة. ومن المتوقع أن ينصرف اهتمام الحكومة السورية الى ملفات أخرى عالقة، لا سيما في الجنوب، حيث الاعتداءات الإسرائيلية تجاوزت كل الحدود، والاحتلال يتوسع الى بلدات جديدة. كذلك لمعالجة أزمة محافظة السويداء، بما يحفظ وحدة سوريا، ويقتصّ من مرتكبي جرائم تموز 2025، ويقطع الطريق على التدخلات الإسرائيلية في الشؤون الداخلية السورية.

+ There are no comments
Add yours