لميعة عباس عمارة : شاعرة كبيرة تحمل بغداد في صوتها

نمتار / أمل الجبوري

ليست كل العلاقات التي تجمع الشعراء تُبنى على القصائد وحدها، فبعضها يُبنى على المدن التي تسكنهم، وعلى الأوطان التي يحملونها معهم أينما ذهبوا.

كانت الشاعرة الكبيرة لميعة عباس عمارة، في نظري، واحدة من أهم الأصوات الشعرية العربية في القرن العشرين، وشاعرة حقيقية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. أحببت فيها تلك العفوية النادرة التي كان يختبئ خلفها صدق عميق، والصدق هو كيمياء الشعر الخالد؛ ذلك العنصر السري الذي يجعل القصيدة تعيش أطول من صاحبها، حتى وإن لم ينل في حياته ما يستحقه من تقدير.

في بداياتي الشعرية كانت علاقتي بها أقرب إلى علاقة الأم بابنتها. التقينا في المنافي، وكانت بين المشاركين في مهرجان الشعر العربي في برلين. وهناك عشنا معاً أياماً وأحداثاً لو رويتها كاملة اليوم لاشتعل الشيب في الرؤوس من غرابتها وقسوتها. وقد دونت كثيراً منها، وربما ترى النور يوماً ما.

بعد انتهاء المهرجان أقامت عندي أياماً في برلين. كنت أصحبها للتعرف إلى المدينة ومعالمها، لكننا، في الحقيقة، لم نكن نتحدث إلا عن بغداد. كان ذلك عام 2002، وكانت الحرب تقترب بخطوات ثقيلة.

ثم وقع الغزو عام 2003

عندما علمت أنني عدت إلى بغداد بعد يومين فقط من احتلالها، اتصلت بي وهي تكاد لا تصدق ما فعلت. قالت: «كيف لقلبك أن يحتمل رؤية المدينة وهي تُستباح؟». كانت تخشى على بغداد كما تخشى الأم على طفلها الوحيد. أما أنا فكنت أحاول أن أزرع شيئاً من الأمل في روحها، وأقول لها إن بغداد ستنهض، وإننا سنقضي بقية أعمارنا فيها، وربما نُدفن في ترابها.

قالت لي يومها:

«أراك متفائلة جداً»

فأجبتها.

«وأنتِ سيدة التفاؤل، فكيف تتشائمين؟»

فضحكت وقالت:

«يبدو أن لكل امرئ نصيباً من اسمه»

ومرت السنوات، وحدث ما حدث من عنف ووحشية لم أعرفهما من قبل في مدينتي.

ثم التقينا مرة أخرى في لبنان عام 2009. كنت أريد أن أخلق لحظة فرح لشاعرة منحت أجيالاً من القراء الفرح والجمال. فقررت أن أعد لها مفاجأة في بيتنا المتواضع، بمشاركة الصديقة الدكتورة جنان علم الدين وصديقتين رافقتا لميعة إلى ذلك اللقاء.

قضيت النهار كله أُعدّ الدولمة العراقية. ولم تكن الدولمة بالنسبة لي مجرد طبق طعام، بل صورة مصغرة عن العراق نفسه؛ ذلك التنوع الذي تتجاور فيه المكونات المختلفة لتصنع مذاقاً واحداً لا يشبه سواه. ولهذا كنت أرى فيها انعكاساً للعراق الذي أحبته لميعة، وللعراق الذي أخذ يتوارى شيئاً فشيئاً أمام أعيننا.

في ذلك اللقاء قدمت لها «وسام ديوان الإبداع»، وهو الوسام الذي منحته مؤسسة ديوان شرق ـ غرب في ألمانيا وفرعها العراقي، قبل نهبه وإغلاقه، لعشرات المبدعين العراقيين والعرب. ومن بين المكرمين آنذاك الدكتور عوني كرومي، والعلامة حسين علي محفوظ، ويوسف العاني، وشاكر حسن آل سعيد، وأسرة جواد سليم الفنية، وفؤاد التكرلي، ومحمود عبد الوهاب، وزكية خليفة، وغيرهم كثير، إضافة إلى الحائز على جائزة نوبل للآداب غونتر غراس.

هذا الفيديو القصير، الذي صُوّر قبل زمن الهواتف الذكية والكاميرات الاحترافية، لا يوثق سوى جزء صغير من جلسة امتدت ساعات طويلة، امتلأت بالحكايات والذكريات والقراءات الشعرية والضحكات التي كانت تخفي وراءها كثيراً من الحنين.

وأذكر أن لميعة كانت ترفض دائماً أن يكتب أحد سيرتها نيابة عنها. كانت تقول لي:

“حياتنا موجودة في قصائدنا، وفي أوجاعنا، وفي التهم التي سيقت إلينا ظلماً. سيمضي أصحاب تلك التهم، أما القصائد فستبقى. ولن يستطيع أعظم كاتب أن يكتب حياتنا أفضل مما كتبناها نحن بأشعارنا”.

واليوم، كلما عدت إلى تلك الكلمات، أدركت كم كانت محقة.

لقد تأخرت المؤسسات الرسمية كثيراً في الاحتفاء بلميعة عباس عمارة، كما يحدث غالباً في البلدان التي تمنح السياسي مكانة أعلى من صاحب الكلمة. لكن الشعر لا يعترف بهذه الموازين العابرة. فالشاعر الحقيقي يبقى حاضراً في ذاكرة الناس، وفي وجدان اللغة، وفي القصائد التي تستمر في الحياة بعد أن يغيب أصحابها.

وهكذا تبقى لميعة عباس عمارة، لا بوصفها ذكرى ، بل بوصفها صوتاً من أصوات العراق البهي المبجل  الذي ما زلنا نبحث عنه في المنافي، وفي الذاكرة، وفي الشعر

2026 لندن،- يوليو

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours