قراءة في قصيدة جديدة للشاعر حسن عبد الحميد …حضور المعنى في هندسة الفراغ

نمتار / اكرم توفيق 

هذه القصيدة الوجيزة تعتمد على تكثيف شعري  وتنهض على ثنائية الحضور والغياب  فالمحبوبة غائبة جسدا  لكنها حاضرة في كل ما يحيط بالشاعر حتى في الفراغ نفسه.

قراءة تحليلية

يفتتح الشاعر نصه بقوله:

(أجدك حتى

في الفراغ.. الذي تركتيه)

وهنا تتجلى مفارقة شعرية جميلة فالفراغ الذي يفترض أن يكون خلوّا من الأشياء يتحول إلى مساحة مملوءة بأثر الغائبة.فالغياب ليس عدما  بل حضور من نوع آخر حضور يتجسد في الذاكرة والحنين.

ثم ينتقل إلى صورة أكثر قتامة:

(خاليا .. إلا من عتمة غيابك)

 

فالعتمة ليست وصفا للمكان بل للحالة النفسية. وكأن الغياب مادة تملأ الفراغ وتحجبه عن الضوء  مما يعكس عمق التأثير الوجداني للمحبوبة على عالم الشاعر الداخلي.

وفي قوله:

(ساعة أكون السؤال الذي يؤرق من ضجر الإجابة باللاجدوى)

يتحول الشاعر إلى سؤال وجودي متعب  بينما تصبح الإجابة نفسها عاجزة ومملة

إنها لحظة شك وحيرة حيث لا يعود البحث عن المعنى قادرا على تبديد الشعور بالفقد.

أما التساؤل:

(أهناك أبعد من ليل

لا تكونين فيه؟ !!)

فهو من أجمل مفاصل النص  إذ يجعل الليل رمزا للوحشة والبعد لكنه في الوقت نفسه يعترف بأن صورة الحبيبة ما زالت تتسلل حتى إلى أكثر الأمكنة ظلمة. والسؤال هنا ليس للاستفهام بل للتعبير عن استحالة الانفصال الكامل عنها.

وتبرز الصورة الشعرية الأكثر حيوية في:

(صورة صخرة.. تغيظ البحر

في عز جنون أمواجك)

فالصخرة ترمز إلى الثبات والمقاومة بينما البحر وأمواجه يرمزان إلى العاطفة الجارفة.وهنا تتجسد المحبوبة قوة هائجة  أو ذكرى لا تهدأ  في مقابل ذات تحاول الثبات رغم اجتياح المشاعر.

ويختتم النص بقوله:

 

(أثمة وهج.. من خفوت لون الدمع.. وضعف سمع القلب

إنه فراغ غيابك؟!!)

حيث تتداخل الحواس في صورة مركبة فالدمع له لون يخفت  والقلب له سمع يضعف.

هذا التراسل الحسي يمنح النص بعدا رمزيا  ويشير إلى أن الغياب لم يعد مجرد حدث خارجي  بل أصبح حالة تستنزف الإدراك والوجدان معا.

الخلاصة:

القصيدة نص وجداني مكثف  يقوم على مفارقة حضور الغائبة في غيابها  ويعتمد لغة رمزية وصورا موحية أكثر من اعتماده السرد المباشر.

كما أن كثرة الأسئلة تمنح النص طابعا تأمليا ووجوديا  حيث يتحول الحب إلى حالة بحث دائم عن معنى وسط فراغ لا يملؤه إلا أثر المحبوبة.

إنها قصيدة تكتب الوجع بصوت هادئ وتجعل من الغياب كائنا حيا يسكن التفاصيل كلها.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours