مرايا …كلمات تثمر شجرًا

نمتار / لبنى ياسين *

في زمنٍ تتعرض فيه البيئة لأبشع نشاط إنساني جائر يدمر الكوكب بأسره، أبرزها حاليًا حرائق طالت غابات بكاملها بأشجارها وكائناتها في بقع مختلفة على الأرض، مخلفة دخانًا غطى مساحات شاسعة من سماء البلاد، تبرز أهمية “الأدب الأخضر” أو “الأدب البيئي” كحاجة وجودية قبل أن يكون خيارًا إبداعيًا، فهو الأدب الذي أدرك أنه من الخطأ النظر إلى الطبيعة بوصفها خلفية صامتة لكينونة النص الإبداعي، وتعامل معها  ككائن حي، وكشريك فعليّ للإنسان على هذا الكوكب، شريك يملك الأحقية الكاملة في أن يُسمع صوته تمهيدًا لتصحيح أوضاعه لصالح بيئة أفضل.

في خضمّ صراع الكائنات من أجل البقاء، يتحوّل الأدب البيئي إلى فعل مقاومة،  ينتصر لكل أشكال الحياة حتى تلك التي همشها وهشمها الانسان بممارساته الخاطئة. فيعيد ترتيب العلاقة المختلة بين الإنسان والطبيعة، وبين الإنسان وبقية الكائنات التي تشاركه سكنى الأرض، هذا النوع من الأدب يدفع القارئ له إلى مراجعة موقعه في الكون، بصفته شريكًا متساويًا في حقه في الوجود، وفي قيمة الروح، ويجرده من تسلطه الجائر على بقية المخلوقات.

يُعرف “الأدب الأخضر”  بأنه ذلك الحقل الإبداعي الذي يعالج علاقة الإنسان بالطبيعة، ويُسلط الضوء على قضايا بيئية مثل التغير المناخي، التلوث، التصحر، وانقراض الأنواع، ضمن رؤية جمالية وفكرية عميقة.

لا يكتفي هذا الأدب بالتحذير أو التوثيق، لكنه يسعى من جهة أخرى إلى خلق وعي ناضج، يعيد الإنسان إلى انسجامه القديم مع الأرض، بعد أن ابتعد عنها تحت وطأة الحداثة ونزعة الاستهلاك.

إنه أدب يُقاوم فكرة تسليع الأرض وكائناتها، ويُحمّل اللغة مسؤولية أخلاقية تجاه المستقبل، وينظر إلى الطبيعة بوصفها كيانًا ذا روح، وليست مجرد مصدر لدر الأرباح باستهلاك مواردها، أو إطار جمالي يُختزل كلوحة على جدار النصوص الإبداعية.

دور الأدب الأخضر:

*يظهر دور الأدب الأخضر في تشكيل وعي بيئي إنساني، من خلال محاور أساسية

إيصال الرسائل التوعية: فالكلمة الأدبية تملك قدرة خارقة على تحريك الوجدان، وزرع الإحساس بالمسؤولية تجاه الكوكب.

*التوثيق: حيث يسجل الأدب الممارسات البيئية الخاطئة، والانتهاكات التي تطال الطبيعة، كبداية أساسية، فأي تغيير يبدأ بالاعتراف بالمشكلة.

*التحفيز على التحرك: فالأدب هنا ليس بكاء على الأطلال بلا طائل، لكنه يدعو لاتخاذ خطوات عملية، فردية وجماعية، لحماية الأرض ومقدّراتها.

نماذج من الأدب الأخضر:

لا بد من الإشارة إلى بعض النماذج الأدبية التي تناولت البيئة بجدية ومسؤولية

* “سنتي من اللحوم” (My Year of Meats) – للكاتبة الكندية روث أوزيكي: تفضح الرواية استخدام هرمونات النمو في صناعة اللحوم بأميركا، وتطرح أسئلة حول العدالة البيئية والأمومة والهوية الغذائية.

“شعب الحيوان” (Animal’s People) – *للكاتب إندرا سينا: وهي رواية تسرد مأساة انفجار مصنع الغاز في “بوبال” الهندية، إحدى أفظع الكوارث البيئية في القرن العشرين، من خلال صوت أحد الناجين المشوَّه جسديًا ونفسيًا.

“*اعتذار للطبيعة” – للشاعر والت ويتمان: وهي قصيدة تفيض بالندم والحنين والتأمل، تُجسّد خسارة الإنسان لروحه حين خان الطبيعة، وتحرض على العودة إلى الانسجام المفقود.؟

“*من أجل قطرة ماء” –الأديبة السورية لبنى ياسين:  قصة مدرجة في منهاج اللغة العربية للصف السابع في قطر، تسلط الضوء على أهمية الماء كحق للأجيال القادمة، وتحذّر من هدر الموارد.

الأدب البيئي العربي:

رغم بعض المحاولات الفردية، لا يزال الأدب البيئي في العالم العربي في مراحله الأولى. فقد طغت عليه موضوعات الحرب والهوية والمنفى، وانزوت القضايا البيئية إلى الهامش. لكنّ هذا التهميش لم يعد مقبولًا اليوم. حيث باتت الأزمة المناخية في أسوأ مراحلها: من التصحر في السودان وسوريا، إلى شح المياه في الأردن، وانحسار دجلة والفرات في العراق، إلى حرائق الغابات في الجزائر ولبنان وسوريا..إلى..إلخ.

كذلك لم يعد الأدب معفيًا من طرح الأسئلة الصعبة حول علاقة الإنسان بالأرض

ولم يعد مقبولًا النظر إلى الأدب الأخضر كترف، أو ترند عابر، أو موضة لغوية،

حيث أنه في جوهره مرآة للندم الإنساني، وخريطة طريق نحو تصحيح ما تبقى من علاقتنا بالأرض، والحفاظ ليس فقط على بقاء الكائنات الحية، بل حتى بقائنا واستمراريتنا كنوع بشري.

فلنكتب إذًا لنحيي ولنجعل من اللغة تربةً تنبت وعيًا، ومن الأدب جسرًا نعود به إلى جذورنا   ليصبح للأدب الأخضر دور جوهري في تشكيل خطاب إنقاذ، يحمل بذور التحول، ويُثمر وعيًا، ويزرع شجرًا في الذاكرة والضمير.

*روائية سورية

خرونيجن-هولندا

حزيران 2026

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours