نمتار / د. ناصر زيدان
يرتكب حزب الله أخطاءً جسيمة إذا اعتقد أنه على حق في استخدام الأدوات القديمة المُستهلكة مع المتغيرات الكبيرة الراهنة. وتضحياته قد تذهب سُداً، ونتائج أعماله قد ترتدُ عليه فيما لو حاول تقويض مسيرة الدولة من جديد. وضمان كرامة بيئته وحقوقها ومكانتها؛ لا يمكن توفيرها بالظروف الراهنة سوى من خلال الانخراط في مسيرة التعافي. وبعض اعماله البطولية السابقة في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي والتي تُحتسب لصالح لبنان ودفاعاً عن الجنوبيين؛ قد تذهب مع الرياح العاتية التي تضرب المنطقة عن بكرةِ أبيها.
هناك شبه اجماع لبناني وعربي ودولي على رفض التعامل مع ارتدادات العدوان الإسرائيلي في لبنان عن طريق مقاومة يحتكرها حزب الله، وقرار الحزب مرتبط بايران وباعترافه، وهو لا يتجاوب مع الخطوات الإنقاذية التي تمَّ الاتفاق عليها للتفاوض مع إسرائيل على قاعدة وقف اطلاق النار فوراً، وطلب انسحابها من الأراضي التي تحتلها في الجنوب، وعودة الأهالي المنكوبين الى ديارهم. أما التطبيع وغير ذلك من مقاربات، فهو متروكٌ لمراحل لاحقة، تتماشى مع وحدة الموقف العربي، وليس وفقاً لجدول أعمال ايران. والقوى التي تُجمِع على دعم لبنان، مُتفقة على التقييم السلبي لموقف ايران وحزب الله، وهؤلاء يعانون من عُزلة شبه كاملة في العالم، بينما لبنان لا يمكن له أن يعيش داخل دائرة هذه العُزلة.
من حق حزب الله أن يعتبر قرار طرد السفير الإيراني من لبنان مهيناً له، أو لبيئته الحاضنة، ولكن من حق اللبنانيين ايضاً تذكيره بأن هدف الطرد ليس إهانة هذه البيئة على الإطلاق، بل تأكيداً على رفض الاستباحة التي مارسها الحرس الثوري في لبنان، من خلال دخول ضباطه الى ميدان المواجهة بجوازات سفر مزورة(على ما أشار رئيس الحكومة نواف سلام) والسفير رضا الشيباني بدأ بممارسة مهامه واتصالاته من دون أن تُقبل أوراق اعتماده من رئيس الجمهورية، وهو ما يخالف جهاراً مندرجات اتفاقية فيينّا للعلاقات الدبلوماسية للعام 1961، ولبنان وايران عضوان فيها. ولبنان كان قد طرد سفير ليبيا مراعاةً لهذه البيئة في السابق.
إذا قرر حزب الله الاعتراض ميدانياً على مواقف الحكومة اللبنانية؛ سيضع لبنان أمام صعوبات جديدة، وسيساهم في ارباك المشهد أكثر فأكثر، لكنه سيخسر الرهان على النفاذ من المحاسبة، والعوامل التي تُحتسب لصالحه، لاسيما بعض التعاطف من بيئته ومن المستفيدين منه؛ أقل بكثير من العوامل التي تعمل في غير صالحه، خصوصاً منها التضامن المحلي والعربي والدولي الواسع مع موقف الحكومة، ورئيس الجمهورية جوزيف عون كما رئيس الوزراء نواف سلام؛ أعلنا أن التهديد بالحرب الأهلية لم يعد عاملاً مُخيفاً على الاطلاق، وحسناً فعلا بعدم افصاحهم عن المعطيات التي تمنع ذلك. واللبنانيون مُجمِعون على الانتقال الى مرحلة جديدة، تقرر فيها الدولة وحدها كل ما يتعلَّق بالأمن وبالسيادة، وإدارة البلد وفق القوانيين المرعية وبواسطة المؤسسات الدستورية وقواها النظامية حصراً.
من السهل على المعترضين على فرض الانتظام إيجاد تبريرات لمواقفهم تستند الى تمادي العدوان الإسرائيلي، وتفلُّت هذا العدوان من كل القيود القانونية والاخلاقية، ولكن حزب الله هو الذي أعلن دخول حرب المُساندة مع ايران والانتقام لحربمة اغتيال المرشد السيد علي خامنئي، وحزب الله هو الذي وافق على التفاهمات التي حصلت مع اسرائيل في 27/11/2024. وكان يمكن لموقف منه يُعلن فيه وضع سلاحه بتصرف الجيش اللبناني، كما وقف أنشطته العسكرية؛ أن يسحب من إسرائيل كل الحِجج والذرائع التي تبرِّر بها عدوانها الذي استمرَّ خلال الشهور الماضية مستهدفاً كوادر عسكرية كما تدَّعي. بينما يضج فضاء الشرق الأوسط برمته بتجاوزاتها التي تخطت التنكيل بالفلسطينيين وباللبنانيين لتطال ساحات أخرى بعيدة عن حدودها. وهي لن تتمكن من الإفلات من ارتكاباتها مهما امتلكت من عناصر القوة، واحتلالها لأراضي لبنانية سيبقي سيف المقاومة مُسلطاً بوجهها، وليس بالضرورة أن تكون المقاومة على الشاكلة القديمة المُستهلكة والمُرتبطة بدول خارجية، فاللبنانيون قادرون على المواجهة، وإجماعهم مصدر قوة ويساندهم المجتمع الدولي، وقوة الحق ليست خاضعة لمبدأ التقادُم.




+ There are no comments
Add yours