حكومة مسرور بارزاني..الادارة الاصعب، والانجازات الأكثر!

 نمتار / احمد زاويتي

بين أصعب حكومة وأكبر حصيلة إنجاز.. لماذا تستحق تجربة مسرور بارزاني التقييم بميزان مختلف؟

من السهل الحكم على الحكومات من خلال ما أنجزته، لكن الإنصاف يقتضي أن يُنظر أيضاً إلى الظروف التي عملت فيها، فليست كل الحكومات تبدأ من نقطة واحدة، ولا تواجه التحديات ذاتها، وإذا كان النجاح يقاس بحجم الإنجاز مقارنة بحجم العقبات، فإن تجربة التشكيلة الوزارية التاسعة لحكومة إقليم كردستان برئاسة السيد مسرور بارزاني تستحق أن تُقرأ بهذه المعادلة.

فمنذ الأيام الأولى لتسلم الحكومة مهامها عام 2019، وجدت نفسها أمام سلسلة غير مسبوقة من الأزمات المتلاحقة.

بدأت بجائحة كورونا التي شلت الاقتصاد العالمي، وأدت إلى توقف النشاط الاقتصادي وانخفاض الإيرادات العامة، ثم جاءت أزمة انهيار أسعار النفط إلى مستويات تاريخية متدنية، لتضرب المصدر المالي الرئيس للإقليم.

ولم تكد الحكومة تتجاوز تلك المرحلة حتى واجهت أزمة أكثر تعقيداً، تمثلت في وقف تصدير نفط الإقليم، وتحويل ملف التصدير إلى بغداد، وما ترتب على ذلك من خسائر مالية ضخمة، ثم قطع أو تأخير إرسال مستحقات الإقليم من الموازنة الاتحادية، وما نتج عنه من أزمات متكررة في صرف رواتب الموظفين.

التحديات لم تتوقف عند اقتصادية فقط، بل رافقتها تعقيدات سياسية داخلية، تمثلت في الخلافات مع الشريك الرئيس في الحكومة، الاتحاد الوطني الكردستاني، ومحاولات متكررة لعرقلة بعض سياسات الحكومة، فضلاً عن حملة معارضة سياسية وإعلامية واسعة استهدفت التقليل من إنجازاتها والتشكيك بقدرتها على إدارة المرحل، بل محاولة اسقاط الحكومة نفسها.

أما خارجياً، فقد بقيت الملفات العالقة مع بغداد دون حلول جذرية، واستمر استهداف قطاع النفط والطاقة في الإقليم عبر هجمات نفذتها جماعات مسلحة، الأمر الذي دفع عدداً من الشركات الأجنبية إلى تقليص أعمالها أو مغادرة الإقليم.

ورغم كل ذلك، فإن قراءة الأرقام الرسمية الصادرة عن حكومة الإقليم تكشف صورة مختلفة تماماً.

ففي قطاع البنية التحتية وحده، نفذت الحكومة أكثر من 1,271 مشروعاً للطرق الخارجية بطول يقارب 5,940 كيلومتراً، فيما شهد قطاع البلديات والخدمات تنفيذ 2,747 مشروعاً، إضافة إلى 3,139 مشروعاً للمياه والصرف الصحي، و2,248 مشروعاً للشوارع والجسور داخل المدن.

وفي ملف الأمن المائي، أنشأت الحكومة تسعة سدود جديدة بسعة تخزينية بلغت أكثر من 252 مليون متر مكعب، إلى جانب عشرات مشاريع المياه والبرك المائية التي تستهدف مواجهة الجفاف وتعزيز الأمن المائي والزراعي للإقليم.

أما في قطاع الكهرباء، فقد ارتفع إنتاج الطاقة من 2,360 ميغاواط عام 2019 إلى 4,334 ميغاواط عام 2026، بزيادة صافية بلغت 1,974 ميغاواط، مع تنفيذ مشروع “روناهي” الذي أوصل الكهرباء المستمرة إلى نحو 90% من مناطق الإقليم، واستفاد منه أكثر من 5.4 ملايين مواطن، وأسهم في الاستغناء عن أكثر من 6 آلاف مولدة أهلية.

وفي مجال الإصلاح الإداري والمالي، أطلقت الحكومة مشروع حسابي، وتم فتح أكثر من 950 ألف حساب مصرفي للموظفين والمتقاعدين، وتوزيع أكثر من 895 ألف بطاقة مصرفية، بما يمثل أكبر مشروع للشمول المالي في تاريخ الإقليم، بالتزامن مع استرداد أكثر من 2.13 تريليون دينار من الديون والسلف الحكومية، وإنهاء آلاف حالات ازدواج الرواتب، وإعادة هيكلة واسعة للإدارة العامة.

اقتصادياً، ورغم الأزمات المالية الخانقة، استطاعت الحكومة استقطاب مشاريع استثمارية تتجاوز قيمتها 22.7 مليار دولار موزعة على 778 مشروعاً في قطاعات الصناعة والسياحة والإسكان والتجارة والزراعة والتعليم والصحة وغيرها. كما ارتفع الاستثمار الزراعي من 1.8% عام 2018 إلى 12% عام 2025، وبدأت منتجات كردستان الزراعية تصل للمرة الأولى بكميات كبيرة إلى الأسواق الخليجية والعالمية.

وفي قطاع التعليم، تم إنشاء 273 مدرسة جديدة، وتأهيل 3,000 مدرسة، وإعادة أكثر من 42 ألف طفل متسرب إلى مقاعد الدراسة، إلى جانب افتتاح جامعتين حكوميتين، واستحداث عشرات الكليات والأقسام العلمية. أما القطاع الصحي، فقد شهد تشغيل 79 مستشفى، وافتتاح مراكز متخصصة لعلاج الأورام والسرطان، وإنشاء عشرات المراكز الصحية الجديدة.

وفي سوق العمل، وفرت المشاريع الاستثمارية أكثر من 150 ألف فرصة عمل، إضافة إلى أكثر من 25 ألف فرصة في القطاع الصناعي، وتعيين آلاف المعلمين والأطباء والكوادر الصحية والخريجين، مع توسيع مظلة الضمان الاجتماعي ودعم المشاريع الشبابية.

كما شهدت الحكومة تحولاً رقمياً واسعاً بإطلاق أكثر من 29 نظاماً حكومياً رقمياً، شملت الهوية الرقمية، وإدارة الوثائق، والخدمات الحكومية الإلكترونية، والرواتب، والجمارك، والتوظيف، والمدارس، والخدمات المالية، في واحدة من أكبر عمليات التحول الرقمي في تاريخ الإقليم.

ولا يمكن تجاهل أن هذه الإنجازات تحققت في وقت كانت فيه الحكومة تواجه نقصاً حاداً في الموارد، واستمرار الخلافات المالية مع بغداد، والضغوط السياسية الداخلية، والهجمات الأمنية التي استهدفت قطاع الطاقة، وهي ظروف كان من الممكن أن تشل أي حكومة أخرى.

بطبيعة الحال، لا يعني ذلك أن تجربة التشكيلة التاسعة كانت خالية من الأخطاء أو أن جميع المشكلات قد حُلّت؛ فما تزال ملفات عديدة، مثل العلاقة المالية مع بغداد، وتنويع الاقتصاد، وتحسين مستوى الخدمات في بعض المناطق، وتعزيز القطاع الخاص، تحتاج إلى مزيد من العمل.

لكن عند تقييم الحكومات، ينبغي أن يكون السؤال: ماذا أنجزت مقارنة بما واجهته؟

وعندما تُقاس تجربة حكومة مسرور بارزاني بهذا المعيار، فإن الأرقام تشير إلى أنها لم تكتفِ بإدارة الأزمات، بل نجحت في مواصلة تنفيذ مشاريع استراتيجية، وإطلاق إصلاحات هيكلية، والمحافظة على استمرار مؤسسات الإقليم في العمل رغم واحدة من أصعب المراحل الاقتصادية والسياسية والأمنية التي مر بها إقليم كردستان منذ عام 2003.

إن التاريخ السياسي يتذكر الحكومات التي استطاعت تحويل الأزمات إلى فرص، وهو المعيار الذي سيبقى الفيصل الحقيقي في تقييم تجربة التشكيلة الوزارية التاسعة.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours