جناح فيليبس… الموسيقى بوصفها عمارة

نمتار / المعمار علاء معن

قد تبدو العلاقة بين الموسيقى والعمارة للوهلة الأولى تشبيه بلاغي جميل أغرت الكتّاب وشغلت الفلاسفة. غير أن بعض الاستعارات أُعتبرت محاولة فلسفية لكشف حقيقة تسبق  البرهان أكثر منها إثراء للغة. ولعل مقولة غوته*: “العمارة موسيقى متجمدة” لم تكن سوى حدسًا بأن الفنون على اختلاف مواردها، تصدر عن نظام جمالي واحد. فإذا كانت الموسيقى تنظّم الزمن، فإن العمارة تبني المكان، لكن كليهما يستند إلى الإيقاع والتناسب والعدد ويطمحان في النهاية إلى انتشال العالم من الفوضى وصياغته في صورة أكثر انسجامًا مع الإنسان.

ومن هذا الحدس انطلق فريدريش شيلينغ* حين وصف العمارة بأنها “موسيقى في الفضاء”، لينقل العلاقة بين الفنّين من حدود التشبيه إلى أفق فلسفي أوسع، حيث تغدو الرياضيات لغة الجمال المشتركة، لا مجرد أداة للقياس. ألا أن التنظير، مهما بلغ من العمق، سيقف عاجزا ما لم يجد ترجمته في الواقع.

ومع مطلع القرن العشرين، حاولت مدرسة الباوهاوس تجاوز الحدود التقليدية بين الفنون من خلال مفهوم “العمل الفني الشامل”، تتآلف فيه العمارة مع الصوت والضوء واللوحة والمنحوتة والأثاث في تجربة واحدة داخل الفضاء. بيد ان هذا التمازج لم يحقق الاندماج الفني الشامل، إذ بقيت الموسيقى تُعزف داخل العمارة، من دون أن تتحول إحداهما إلى الأخرى.

وكان لو كوربوزييه من أكثر المعماريين إيمانًا بإمكان تجاوز هذا الحد. فقد رأى أن العمارة هي فن تشكيل تجربة الإنسان في المكان، من خلال نظامه القياسي “الموديولور”، بوصفه محاولة لاكتشاف مقياس كوني للجمال، يقوم على أبعاد الجسد الإنساني، والنسبة الذهبية، ومتتالية فيبوناتشي، انطلاقًا من إيمانه بأن الإنسان والكون يخضعان لنظام رياضي واحد، وان العمارة تكتسب شرعية جمالها قدر انسجامها مع هذا النظام.

وجاءت الفرصة لاختبار هذا المفهوم عام 1958، حين كُلّف لو كوربوزييه بتصميم جناح شركة فيليبس للمعرض العالمي في بروكسل (Expo 58). الذي طلبت الشركة فيه تشييد قاعة لعرض منتجاتها الإلكترونية عِبر عرض خلاّق غير مسبوق تستعرض فيه مستقبل العلاقة بين الفن والتكنولوجيا. قرأ لو كوربوزييه هذا التكليف بوصفه مشروعًا فكريًا لتجربة إنسانية فريدة. فتخيّل تصميما تندمج فيه الفنون وتتآلف معه، كأنه “معدة” تبتلع الزائر، وتقوده ضمن مسار محسوب، ثم تخرجه وقد تبدلت علاقته بالمكان و بحواسه معًا.

ولتحويل هذه الرؤية إلى بناء، اتجهت أنظاره إلى زميله في المكتب المهندس والمؤلف الموسيقي اليوناني إيانيس زيناكيس، الذي وجد في مفاهيم لو كاربوزيه وفلسفة المشروع برهانا للحدس الذي أطلقه غوته وشيلينغ، وشغل رواد الحداثة من بعدهما، فإذا كانت النسب الرياضية قادرة على إنتاج عمارة مبهرة، فما الذي يمنعها من توليد موسيقى خلاقّة؟

ادرك زيانكيس، وهو يشرع في تطوير البنية الانشائية للجناح، ان الإجابة تنتظره في قراءة مشتركة لمخططات التصميم المعماري وصفحات مقطوعة موسيقية ألفها عام 1955 حملت عنوان  “ميتاستاسيس” (Metastaseis)، والتي تُعد مغامرة في موسيقى القرن العشرين، بسبب عدم اقتفائها أثر الألحان التقليدية، أو التدرج الهارموني المألوف، و إرتكازها على ما أسماه زيانيكس “كتل صوتية” تتحرك جماعيًا محاكية أسراب الطيور أو الظواهر الطبيعية، فتُنشئ فضاءً سمعيًا متغيرًا، لا خطًا لحنيًا متعاقبًا. كما أوحت مدونتها الموسيقية، بخطوطها المائلة والمتقاطعة، قربها إلى رسم هندسي منها إلى نوتة تقليدية، تجسّدت فيها حركة الأصوات، وكشفت في الوقت نفسه عن بنية رياضية قابلة لأن تنتقل من الزمن الى المكان.

ومن هذا الإدراك وُلد النظام الإنشائي لجناح فيليبس، الذي تحولت فيه خطوط المدونة الموسيقية إلى سطوح منحنية متعاكسة من نوع “القطع المكافئ الزائدي”، والى جدران وسقوف تتباين ارتفاعا وانخفاضا استمرارًا لحركة النغمات نفسها في ترجمة مبهرة لمنطق النوتة البنيوي. وللمرة الأولى أصبحت الموسيقى هي التي تشيّد العمارة لا أن تُعزف في فضاءاتها فحسب.

غير أن رؤية لو كوربوزييه كانت أوسع بعدا عن حدود الشكل، فمن اجل ان يعيش الزائر التجربة اضافة إلى تأملها من الخارج، تم تصميم الفضاء الداخلي للجناح بوصفه آلة موسيقية عملاقة، ووزعت فيه أكثر من ثلاثمائة مكبر صوت وفق نظام دقيق، جعل الصوت يتحرك في الفراغ، يلتف حول الأجساد، ويتصاعد إلى السقوف، ثم يتوارى ليظهر في موضع آخر، حتى يغدو المكان نفسه هو الذي يعزف.

ومن المهم هنا التمييز بين العملين الموسيقيين اللذين ارتبطا بهذا المشروع. فـ “ميتاستاسيس” لم تكن المقطوعة التي استمع إليها زوار الجناح، وإنما كانت الأصل الفكري والإنشائي الذي استُلهمت منه هندسته. أما التجربة السمعية التي عاشها الزائر، فتمثلت في مقطوعة “قصيدة إلكترونية” (Poème électronique) التي ألّفها الفرنسي إدغار فاريز مستثمرًا الإمكانات الجديدة للصوت الإلكتروني، وموزعًا حركته في الفضاء بأعتباره عنصرًا من عناصر التكوين المعماري نفسه.

بهذا التلاقي بين رؤية لو كوربوزييه، وعبقرية زيناكيس، والخيال السمعي لفاريز، وُلد ما يُعد أول عمل “متعدد الوسائط” بالمعنى الحديث الذي ألغى الحدود بين العمارة والموسيقى والضوء والصورة. مرتقيا بحدس الفلاسفة من فضاء المجاز إلى فضاء الواقع، فلم تعد العمارة “موسيقى متجمدة”، ولا الموسيقى عمارة متخيلة، بل أصبح كل منهما يتحقق في الآخر. جاعلا الإنسان ولأول مرة يدخل إلى قلب عمل موسيقي، سائرًا في فضائه، يقرأ بعينيه ما كانت أذناه تسمعه من قبل فقط.

اصبح جناح فيليبس المؤقت (أُقيم لمعرض عالمي ثم أُزيل بانتهائه) لحظة مفصلية في تاريخ الفكر الجمالي الحديث، برهنت بشكل قاطع ان الفنون هي تجليات متعددة لنظام واحد تلتقي فيه الفلسفة والعمارة والموسيقى والرياضيات والتكنولوجيا.. تتغير لغاته ولا يتغير جوهره.

ولعل هذا هو الإرث الحقيقي لذلك الجناح. رغم اختفائه المادي لكنه ظل حاضرا في الذاكرة بوصفه أحد أكثر الأعمال تأثيرا في تاريخ العمارة الحديثة بسبب ان الفكرة التي شُيّد عليها بقيت أكثر رسوخًا من الخرسانة نفسها. فبعض الأبنية تخلّدها مادتها، أما جناح فيليبس فقد خلّدته فلسفته، لأنه أعاد تعريف معنى الإبداع ذاته. فإذا كانت العمارة تشيّد المكان، وكانت الموسيقى تبني الزمن و تنظمه، فإن جناح فيليبس كشف أن الإنسان هو الكائن القادر ان يبتكر ذلك النظام الخفي الذي يمنحهما معًا معناهما الجمالي.

*غوتة: (1749-1832) فيلسوف الماني وكاتب يُعتبر الأكثر تأثيرا في اللغة الألمانية.

*فريدريش شيلينغ: (1868-1950) عالم رياضيات الماني

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours