سفير المعرفة العراقي

ملا بختيار

مشرف مركز جاودير التنويري – السليمانية – كردستان العراق

السيدة الدكتورة سعاد الصباح..

بعد الاحترام.

رسالتك، رسالة مثقفة عربية خليجية، وصلت إليّ، أنا الكردي العراقي، للاحتفال ﺑ»يوم الوفاء» للدكتور عبد الحسين شعبان المعطّر برسالتكِ وجوابي، وهو ما ألغى مسافة مئات الكيلومترات بيننا!

مقدمة أهنئكم خالص التهنئة على قراركم المعرفي، وأنا على يقين أن مثل هذه القرارات تعمّق روح الفكر والنقد الحرّين والفلسفة المدنية في الكويت والمنطقة. أظن أن الكتّاب الكويتيين يفكرون على هذا النحو تماماً.

عزيزتنا الدكتورة سعاد!

إن د.حسين هو ذروة، قلم، منجم فكر، لا يحتاج إلى تعريف. أستطيع أن أسمّيه سفير المعرفة العراقي والمناضل الصادق من أجل الديمقراطية، ترسخت في وجدانه حقوق المظلومين والمهمشين ومصير كُردستان.

معاناة مزمنة

صدقوني أن الكتّاب والمفكّرين الكردستانيين العراقيين الحقيقيين عانوا من أسوأ أشكال القمع والسجن والقتل والنفي والتشريد وما إلى ذلك في الشرق الأوسط أكثر من أي كاتب آخر. ولذلك دفع أدباء أمثال عبد الحسين شعبان أغلى ثمن لنضالهم السياسي ورسالتهم الفكرية في منطقتنا.

تذكروا ما فعله هتلر بألمانيا والعالم خلال 10 سنوات من الحكم. لقد حكم النظام البعثي العراق خمسة وثلاثين عاماً، وكانت النتائج واضحة فيما حدث للعراق وكردستان والكويت والمنطقة. لقد أثر الوضع السياسي وعصر الإرهاب البعثي على الكتّاب والفنانين وكل من أراد الحريّة، وبخاصة الذين حملوا أفكاراً يسارية وديمقراطية، حيث تعرّض الجميع لرعب الحالة الخطيرة، وفي مقدمتهم الكتّاب والفنانون والمؤمنون بالحريّة وبخاصة حَمَلَة الفكر اليساري والديمقراطي. صعبٌ ومريعٌ أن تكون كاتباً ومبدعاً تعيش في ظل نظام شمولي ككاتب، وتقضي حياةً بعيدة عن العبودية!!

الشجاعة والحريّة

يعتبر الدكتور عبد الحسين من أدباء الفكر والمعرفة في العراق والمنطقة، يجب أن يُفتخرَ بشجاعته وحريّته. لأنه لم يحنِ قلمه الجميل وهامته للظلم قط. لقد دافع دائماً عن شرف قلمه وحرية التعبير، وحين لزم الأمر، لم يتردد في «حمل السلاح» إلى جانب بيشمركة كردستان في الجبال. وفي تلك الظروف كانت أسلحة المقاومة ضد صدام وجيشه قمّة موقف المناضلين العراقيين.

إن المناضلين والكتّاب، أمثال الدكتور شعبان، لم يترددوا في محاربة منتهكي الديمقراطية منذ الستينيات. نعم، إنهم مستمرون لأنهم يعلمون أن العملية الديمقراطية ورسالة الإنسانية في العراق والعالم لا يزال أمامهما طريق طويل لتقطعاه. وحتى في عصر العولمة هذا، ينبغي أن نتذكر دائماً أن الرسالة الحقيقية للديمقراطية والإنسانية لا يمكن التضحية بها من أجل منافع الليبرالية الجديدة اللاهثة وراء الأرباح!!

الفكر النقدي

يعتبر الدكتور حسين فارساً فكرياً واعياً للتاريخ العراقي المعاصر في عالم السياسة والأيديولوجية، كما أنه من حَمَلَة الشعلة البارزين في الكتابة المعرفية والعلمية والنقدية. فَهمَ تفاصيلَ مفهوم المعرفة بدقة، ونفّذ بعمق رسالة النقد. ويدرك الدكتور أن المعرفة هي أحد أهم مبادئ البحث، وأن النقد هو أفضل وسيلة علمية للنهوض بعالم الإبداع. وأي كاتب لا يمتلك خبرة مثل الدكتور شعبان، في المعرفة والنقد، لا يستحق أن يحمل القلم بصفته كاتباً.

ينابيع كردستان

إن كتاباته تنبع من ينابيع الفكر الإنساني المتناغمة. وكأنها صفاء ينابيع كردستان النقية. هناك العديد من الينابيع المتناغمة في كردستان تتدفق بشكل جميل ولطيف وتصب في الزابين (الزاب الكبير والزاب الصغير) ونهري دجلة والفرات لتختلط بمياه الخليج في شط العرب، لأن الألوان المختلفة للطبيعة والمناخ كانت منذ بدء الخليقة مزيجاً ضرورياً للحياة، لكن الناس لم يفهموا ولم يسبروا بعد غور قوانين وقواعد الطبيعة للحياة. الطبيعة خُلقت في وئام تام، لكن الإنسان مليء بالتناقضات.

وقد امتزجت روح الدكتور شعبان بهذه الينابيع المتناغمة، وصار عقله يحلق في سماء الإنسانية. ليس هناك أدنى كراهية أو رد فعل غير لائق في ذهن الدكتور شعبان. يكتب دائماً بشكل منطقي ومثبت وهادئ وعلمي. كتاباته رسائل ود تجنح إلى السلم وليس إلى الضغينة! ولذلك فإن الدكتور شعبان يحارب دائماً النزعة الرجعية المحافظة من دون أن يؤدي ذلك إلى العداء.

ما أعظم الكتّاب الذين يعدم «الفاشيون» رفاقهم، أو يُقتَل رفاقهم الأبرياء في خضم الثورة والمقاومة المسلحة، ولكن الدكتور عبد الحسين مخلص لأصدقائه وللفلسفة لا يضمر الحقد ولا يضحي بحبّه ووفائه لرفاقه من أجل الحقد الأعمى، ولا يسخّر الأمانة العلمية لخدمة أيديولوجيته.

إن كتّاب العالم الكبار، عندما يكتبون للإنسانية يجتثون بهدوء أنواع الكراهية والعداء ولا يستجيبون لها، بل يردون على الكراهية بالحب من أجل السلام، ولذلك، دخل الأدباء الكبار، من باب الإنسانية الواسع، إلى أعماق أجمل فكر في التاريخ المعاصر. ولولا وجود هؤلاء الكتّاب في العالم، لاندلعت حروب عالمية أخرى كثيرة. ولذلك أستطيع القول إن الكتّاب المبدعين حقاً هم أكثر تأثيراً بين أبناء الإنسانية من الأمم المتحدة، بل إن فكرة الأمم المتحدة انبثقت أساساً من أفكار الفيلسوف كانط، ولا تعود إلى تشرشل أو ستالين أو روزفلت!

الكاتب الكبير

الكاتب الكبير يحافظ على عظمة إبداعه وجمال قلمه في كتاباته وانتقاداته بعيداً عن تعميق روح الكراهية والانتقام. كان د.حسين شعبان، يرسم كتاباته من وجهة نظره بما يعكس الفكر الإنساني الجميل. نعم ما أجمل من يسكبون أفكارهم كالنحل في ضمير الإنسانية. يفرغون الضمير من الكراهية ويثرونه بالحب والوئام!

منذ عام 1963، تعرّض العراق للقتل والكراهية وفَرضِ النزعة الشوفينية ومعاداة الديمقراطية. واستمرت هذه المأساة أربعين عاماً. وفي عام 2003، أسدل الستار على مأساة الأحداث في العراق بإسقاط صدام حسين. وفي تلك السنوات وما بعدها، تعرّض الدكتور عبد الحسين شعبان للظلم والتعسف مثل ملايين المواطنين ومئات الكتّاب. فُرضَ الحظر على كتاباته. طاردته السلطات، إلّا أنّ أياً من هذه الأحداث لم تشوه الأمانة العلمية في كتاباته، لذا نال ثقة وحب الكتّاب والمثقفين، إنه جدير بأن يُحتفى به ويقدر في «يوم الوفاء» ويصبح ضيفاً عزيزاً على الكويت العزيزة التي أراد صدام في عام 1990 ضمّها إلى العراق بقراره الشخصي الجائر، مثلما أراد محو كردستان.

شعبان وكردستان

نحن الكرد وكتّاب مثل الدكتور شعبان وقفنا مع الكويت ورفضنا قرار الطاغية الجائر. معلوم أن «يوم الوفاء» هو لهؤلاء المبدعين الذين عمقوا المفهوم الحقيقي للوفاء، وسيكون ذلك المفهوم رسالتهم الدائمة، وليس لمن يلبسون الوفاء قناعاً يخفون به طبيعتهم وماهيتهم الحقيقية مؤقتاً. هناك الآلاف ممن اعتبروا أنفسهم كتّاباً عبر التاريخ، حاولوا إخفاء هويتهم تحت قناع الوفاء ولكن لم يبق منهم أحد في سماء الإبداع مثل الدكتور عبد الحسين شعبان.

فالكاتب لا يصبح مبدعاً بقناع ولا يجد مكاناً يليق به في ضمير الإنسانية بالشعارات المزخرفة والجمل الطنانة. إن الكاتب الحقيقي لا يحتاج إلى قناع، بل يريد الإبداع، لا يريد أن ينال رضا السلطات القمعية، بل يهمه ضمير الإنسانية. والدكتور حسين شعبان هو أحد هؤلاء الكتّاب، لم يستخدم قط قناع الخداع، ولم يكن ضد فاشية صدام فقط، إنه حتى الآن لا يمدح ولا يطري حاكماً من الحكام بعد صدام!! ولن يتردد في العمل حتى ينجح العراق في عملية التحول إلى الديمقراطية وإقامة نظام ديمقراطي حقيقي. إنه كاتب متمرس يعرف أن تحقيق الديمقراطية في العراق في هذه المنطقة ووسط أزمات الشرق الأوسط المتفاقمة مهمة صعبة.. لكن الكاتب الكبير لا يخاف من الدخول في خضم المهمة الصعبة وتناولها بجرأة فائقة..

صداقة حميمة

منذ الثمانينيات سمعت اسم الدكتور عبد الحسين شعبان، كقلم، ككاتب وناشط. ومنذ سقوط صدام وأنا أقرأ أعماله الأدبية والنقدية والفكرية وأتابعها بجد. وقمت بدعوته إلى عدة دورات مهرجان كَلاويز الدولية الذي يقام سنوياً في مدينة السليمانية المستمر منذ 27 عاماً من دون أي انقطاع، وإلى مؤتمر دابران (القطيعة) الذي أُشرف عليه بنفسي. والذي تمخض منه ومع الدكتور شعبان اقتراح تأسيس مركز تنويري للحوار العربي – الكردي إيماناً منّا بتوطيد العلاقات وتطويرها، وفي كل مرة يشترك في أنشطتنا المعرفية والتنويرية، يكون مثالاً لكاتب ينبذ الأنانية، حقاً إنه قلم سيال يهوى الفكر الحر.

بشتاشان

وآخر كتب الدكتور عبد الحسين تاريخي وأدبي ونقدي بعنوان (بشتاشان أو خلف الطواحين..) طبع في 2024، في 247 صفحة يتضمن موضوعات متنوعة مثيرة للاهتمام. لكن الصفحات من 179 إلى 196 تهزّ الضمير أكثر. وأنا -القارئ الكردي والقرّاء العرب العراقيين وبخاصة الشيوعيين العراقيين- نعرف ما يريد الدكتور شعبان أن يقوله للقارئ الواعي. وَمَن لم يشترك في الأحداث المسرودة في الكتاب لا يعرف مدى الألم الذي يضمه هذا الجزء المتضمن أحداث عام 1983 على سفوح جبل قنديل – بشتاشان.

كانت بشتاشان مسرحاً لحرب أهلية دامية في كردستان، حيث دارت معركة بين الاتحاد الوطني الكردستاني وقوات الجبهة الوطنية الديمقراطية، انتصر فيها الاتحاد الوطني الكردستاني. سفكت فيها دماء كثيرة. وانتهت المأساة بمقتل 56 مقاتلاً أسيراً من حزب الدكتور عبد الحسين، لكن بعد 41 عاماً من تلك الحادثة المفجعة، التقى شعبان بهدوء وتسامح مع نوشيروان مصطفى أمين الذي قاد قوات الاتحاد الوطني الكردستاني في ذلك الهجوم. واستهل حديثه عن نوشيروان بالكلمات الجميلة لغاندي فيلسوف التسامح: لا أحب كلمة العفو، ولكنني لم أجد كلمة أفضل منها. ما أجمل خطاب غاندي وما أجمل تسامح الدكتور شعبان وذهنه المفعم به إزاء سفك دماء رفاقه، إذ حال دون أن ينال الثأر من روحه المتسامحة.

سقتُ هذا الكلام لتعرفي سيادتكِ أيّ كاتب كبير تكرّمين ولِمَن تمنح الوفاءَ مؤسستكم المخلصة..

يبقى أن نقول إن الدكتور شعبان نشأ في بيئة النجف مدينة الشهداء. ولكن من تلك البيئة الدينية، انفتح على الفلسفة اليسارية مثل زهرة حمراء، ولم يكن الأمر قطيعة تامة مع الدين. لقد كان ناشطاً ديمقراطياً واقعياً صاحب رسالة. لم يعاند فكره اليساري الدين والمذهب، بل كان اكتشافه فلسفة معاصرة للصراع والتغيير، وليس للعداء.

لقد فشل معظم الديمقراطيين واليساريين في الشرق الأوسط لأنهم لم يدرسوا ثقافات وعادات بلدانهم بعمق، ولم يفهموا الوضع الطبقي وواجبات الكتابة والفن. أما الدكتور حسين شعبان، فقد فهم ككاتب هذا الأمر على أنه جزء من واجبه الإنساني والديمقراطي المحب للحرية!

أتمنى له العمر المديد.

 أتمنى أن تستمر مؤسستكم في العطاء ومنح هذه الخدمات الجميلة في يوم الوفاء لمن يستحقون الوفاء! حقاً إن الدكتور عبد الحسين شعبان من هؤلاء الجديرين بالوفاء!

30 / 7 / 2024

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours