الدكتور شعبان وحرفة الثقافة

د.مهدي جابر مهدي

يقترن اسم الدكتور عبد الحسين شعبان بموسوعة معرفيّة شاملة تمتدّ لميادين السياسة والثقافة والمجتمع وحقوق الإنسان والقانون، وترجمت تلك المجالات بما يزيد على ثمانين كتاباً أغنت الثقافة العربية بدراسات منهجيّة رصينة أصبحت مرجعاً للدارسين والباحثين إضافة للقرّاء. هذا إضافة إلى إسهاماته الفكريّة في المؤتمرات والندوات والمقابلات والمحاضرات وغيرها من النشاطات الثقافيّة.
تميّز د.شعبان بالجمع الإبداعي بين الأبعاد الإنسانيّة والثقافيّة والسياسيّة، وترجم هذه الخصال ليس فقط في نتاجاته الثقافيّة والفكريّة، بل وأيضاً في نشاطاته العمليّة. فإضافة إلى كونه مفكّراً وباحثاً وأكاديمياً فهو مناضل سياسي وناشط مدني ومدافع فاعل عن حقوق الإنسان. وتجلّى ذلك في العديد من المهام والنشاطات، حيث يقدم لنا بجهده الخاص ومثابرته الدؤوبة وشغفه المعرفي، نتاجات رصينة احتلّت موقعاً مميّزاً ومرموقاً في العراق والعالم العربي.
ولتعدّد وتنوّع نتاجاته، سنتوقف سريعاً عند بعض الجوانب المتعلقة بالحقل الثقافي.
السِّلم والتسامح واللّاعنف
يركّز الدكتور شعبان في العديد من كتاباته ونشاطاته على أهميّة السِّلم والتسامح وثقافة اللاعنف. وأسهمت مؤلفاته العديدة والمميزة في هذا المجال بالتعريف بأهميّة هذه القضايا ودورها في تحقيق الأمن والاستقرار والازدهار. وسلّط في كتابه الموسوم «فقه التسامح في الفكر العربي» الضوء على جوانب مهمّة تتعلق بأهميّة ودور التسامح في ثقافة وبناء المجتمع عبر مختلف العصور، حيث أشار إلى أن التسامح كمفهوم في العالمين العربي والإسلامي مازال قليل القبول لدى أوساط واسعة، في حين كما هو معروف أنجزت البشريّة رصيداً ثقافيّاً مهماً على هذا الصعيد.
وجاء إعلان المبادئ بشأن التسامح الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) في 16 نوفمبر 1995، ليشكّل نقلة نوعية في التعاطي مع المفهوم، حيث عرف التسامح في البند الأوّل من مادته الأولى: «.. الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا، ويتعزّز هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرّية الفكر والضمير والمعتقد، إنه الوئام في سياق الاختلاف، وهو ليس واجباً أخلاقياً فحسب وإنّما هو واجب سياسي وقانوني».
وقد أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة السادس عشر من نوفمبر كلّ عام يوماً عالمياً للتسامح بغية تعزيز المبادئ والقِيَم المتعلقة بالتسامح والوسطيّة ونشر الاعتدال واحترام التنوع الثقافي والانفتاح.
ورصد الدكتور شعبان تطوّر مفهوم التسامح من الفرد إلى المجتمع ومنه إلى الدولة والمجموعة الدولية عبر أربعة مداخل مهمة وهي:
المدخل الديني الثقافي.
المدخل السياسي.
المدخل الحقوقي والقانوني.
المدخل الاجتماعي والاقتصادي.
ومن هنا يمكننا القول إنّ كتاب الدكتور شعبان «فقه التسامح»، وكذلك دراساته ومقالاته تشكّل مساهمة نوعية في التعريف بأهميّة التسامح وتنقية العقول لوقف العنف منطلقاً من كون التسامح أصبح حاجة ماسّة ولم يعد ترفاً فكرياً.
كما يؤكد د.شعبان دائماً أهميّة اللّاعنف ثقافةً وممارسةً في آن. وهنا يعبّر بدقة عن فهمه الفلسفي العميق للقضايا الإنسانيّة حين يقول: «إنّ الوسيلة هي جزء من الغاية، ولكي تنسجم الوسائل التي نتوخّاها مع الأهداف النبيلة التي نطمح إلى تحقيقها، الأمر الذي يقتضي اختيار الوسائل السلمية لأنها ترتبط ارتباطاً عضوياً بالغايات الشريفة، مثلما هي علاقة الشجرة بالبذرة، فهذه من تلك مثل علاقة الفرع بالأصل، والعكس صحيح أيضاً، حسب ما يذهب إليه زعيم المقاومة السلميّة (اللّاعنفية) في الهند المعاصرة المهاتما غاندي». (انظر كتاب د. شعبان: بشت آشان، خلف الطواحين.. وثمّة ذاكرة، ص 128).
وجدير بالذكر أن الدكتور شعبان نقل أفكاره حول التسامح واللّاعنف إلى الميدان الأكاديمي، حيث عمل نائباً لرئيس جامعة اللّاعنف وحقوق الإنسان في العالم العربي في بيروت، وتتلمذ على يديه العديد من الباحثين والدارسين.
المنهج وليس التعاليم
يستند الباحث الدكتور شعبان في سياق تناوله للظواهر الاجتماعية على المنهج الماركسي كمصدر معرفي أساسي دون أن يقع في الديماغوجيا. وسعى للنقد والمراجعة والتجديد والقراءة الجديدة للماركسيّة من منظور متنوّع. ونلمس هذه الأطروحات بوضوح في دراساته، ومن أهمها كتابه «تحطيم المرايا – في الماركسية والاختلاف» 2009، وكان لي الشرف في كتابة دراسة عنه بعنوان «إشكاليّة العلاقة بين الفكر والممارسة في نقد كتاب تحطيم المرايا – في الماركسيّة والاختلاف» نُشرت في كتاب الدكتور شعبان «الحبر الأسود والحبر الأحمر – من ماركس إلى الماركسية» 2013، إضافةً إلى مساهمات رصينة أخرى لعدد من الكتّاب والباحثين من العالم العربي.
ويدعو د.شعبان في كتابه هذا إلى قراءة منهجية جدليّة تفترض التغيّر تبعاً للتطوّر في ميدان العلوم والتكنولوجيا وحاجات الناس ومتطلّباتها الحياتية والاجتماعية. ويحدّد قناعته بوضوح قائلاً: «المنهج الماركسي مازال يحتفظ بحيويته، لكن بعيداً عن القوالب والصيغ الجاهزة التي تخطاها الزمن». (انظر كتابه: الحبر الأسود.. ص 10) ومؤكداً أن «الماركسية بحكم طبيعتها الديناميكيّة، كمنهج وأداة للتحليل، كان بإمكانها تجاوز أخطاء التطبيق أو إخفاقات الممارسة». (كتاب: تحطيم المرايا ص 28).
ومعروف قول كارل ماركس في «البيان الشيوعي» الصادر في 1848: (لم يقم الفلاسفة إلّا بتفسير العالم والمهّم هو تغييره). ومن هذا المنطلق يقول د.شعبان: «كان ماركس يؤمن بالحركة والتطور، وهو بالتالي يؤمن أن الفكر نتاج الحركة، وأن فهْم العالم يعني التغيير». (تحطيم المرايا ص 49).
ولا يكتفي د.شعبان بعرض فهمه للماركسيّة، بل ويستمر في طرح الأسئلة الجادّة التي تثير التأمل والتفكير، حيث يقول: «هل كان ماركس تاماً، بجهوزية كاملة، وهل كانت تعليماته تصلح لكل زمان ومكان، أَم أنه كان وضعياً نقدياً، جدلياً توليدياً، يمكن استخدام منهجه المادي الجدلي في وضعيات نقديّة توليديّة لأزمنة وأمكنة أخرى، وإنه لحدّ الآن، لا يزال يمثّل جانباً مشرقاً في تاريخ الفكر الفلسفي الحي، يمكن الاستفادة منه، حتى من قبل (الأعداء) خصوم الماركسيّة ذاتها، في مقارباتها النقدية الاجتماعية؟» (كتاب: الحبر الأسود.. ص 69).
هنا تتّضح رؤية د.شعبان للماركسية كمنهج وفي هذا الإطار وليس خارجه، ولكن بعيداً عن الجمود. تتيح لنا هذه الرؤية إمكانية التفكير العلمي النقدي الجاد. حيث إن تقديس النص والتمسّك به بصورة جامدة بعيداً عن سياقه الاجتماعي والتاريخي، ألحَق الضرر الكبير بالفكر الماركسي ذاته من جهة، وبالممارسة العمليّة من جهة أخرى، حيث أثبت الواقع فشل -إن لم نقل- عجز الأحزاب الماركسية (الشيوعيّة) في العالم العربي عن استيعاب الواقع والاستجابة الدقيقة لمتطلباته وتحدّياته، ممّا جعلها في عزلة عن المجتمع.
وربّما ذلك يفسّر جانباً من الأزمة التي تعانيها قوى اليسار عموماً، وغياب القدرة على التغيير والاكتفاء –في الغالب– على طرح البرامج والشعارات التي تفتقد لإمكانية التطبيق على أرض الواقع. ولعلّ هذا أيضاً يساعدنا في فهم أسباب التراجع الشعبي لتلك الأحزاب وعدم حصولها على تأييد الناخبين في الانتخابات البرلمانية.
ودون شكّ، يقع على عاتق النخب الفكريّة اليساريّة والماركسيّة مهمّة التفكير في تقديم المعالجات والتصورات والأطروحات التي من شأنها تجديد الماركسيّة وربطها بالواقع وعدم الاكتفاء بتوجيه اللّوم.
والجدير بالذكر هنا، أن النتاجات الفكريّة المعنية بهذا الشأن، والمتعلقة بتطوير وإغناء الماركسيّة، مازالت دون المستوى المطلوب.
إنّ البحث العلمي في رصد وتحليل الظواهر الاجتماعيّة يتطلب التوقف عند ثلاثة أركان أساسيّة ومترابطة وهي: الإنسان (المفكّر)، والفكرة (موضوع التفكير، الظاهرة، المشكلة)، والبيئة (المحيط). فالإنسان يتفاعل مع بيئته عبر دراسة الظواهر وتحليلها وفق منهج علمي، ليحدّد موقفه منها.
وقد جسّد د.شعبان في دراساته وبحوثه هذه الأركان الثلاثة ليقدم لنا حصيلة جهده وخبرته في المجالين النظري والعلمي، بالإضافة إلى اعتماده منهجيّة علميّة وتقنيات وطُرق تقوم بوظيفة فحص الظواهر والمعارف وتدقيقها وإخضاعها للتحليل والاستنتاج العلميين.
ودأب د.شعبان في دراساته الفكريّة على اعتماد التحليل الثقافي سواء بالمعنى الأنثربولوجي، كمجموعة من البيئات الذهنيّة، أو البيداغوجي لإضفاء البُعد المعرفي لنتاجاته، استجابة مع روح العصر ومتغيراته، مما أدّى إلى أن تكون إسهاماته إضافة نوعية عميقة وتناولاً رصيناً للقضايا المطروحة للنقاش في ضوء المفهوم الكلاسيكي للثقافة الذي طرحه عالم الأنثربولوجيا البريطاني إدوارد تايلور باعتبارها: «الكل المركّب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفنّ والأخلاق والقانون وكل القدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع». (انظر: دنيس كوش، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعيّة، ترجمة د.منير السعيداني، المنظمة العربيّة للترجمة، الطبعة الأولى، بيروت 2007 ص 31).
ولم يكتفِ د.شعبان في دراساته بهذا الإطار، بل وعمل دوماً على ربط الاجتماعي بالثقافي منطلقاً من فكرة عدم إمكانيّة دراسة الاجتماعي بمعزل عن الثقافي متّجهاً صوب تجديد مفهوم الثقافة وصياغة مقاربة أفضل وأدقّ لعدد من الظواهر الاجتماعيّة، وهو ما أكّده كارل ماركس وتناوله ماكس فيبر في سياق تحليله للقوّة النسبيّة الخاصة لمختلف الثقافات.
الهُويّة كإشكاليّة ثقافية
من هنا أود التوقف عند موضوعة الهوية كإشكاليّة ثقافيّة خصّص لها د.شعبان أكثر من دراسة، ومنها كتابه «جدل الهُويّات في العراق – الدولة والمواطنة» الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون 2010. وكتابه «الهُويّة والمواطنة، البدائل الملتبسة والحداثة المتعثرة» الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2017 وصدرت طبعته الثانية في 2020.
فالهُويّة تعني إحساساً بوعي الذات، وهي بناء يقوم على علاقة تقابل فيها مجموعة مجموعات أخرى تكون في تماسّ معها. وهي كما يقول فريدريك بارث: نمط تصنيف تستعمله المجموعات لتنظّم مبادلاتها وفق تمايز ثقافي، وبالتالي هي دوماً كبناء اجتماعي في علاقة مع الآخر أو هي كما يصفها أمين معلوف: «إنّ هُويتي هي التي تعني أنني لا أشبه أيّ شخص آخر». (أمين معلوف، الهُويّات القاتلة، ترجمة نهلة بيضون، دار الفارابي، بيروت ط1، 2004، ص 18).
وفي الوقت الذي يشير فيه د.شعبان إلى «أن موضوع الهوية يشغل حيّزاً غير قليل في الثقافة والفكر وفي دراسات علوم السياسة والقانون والاجتماع» (جدل الهُويّات ص 7) يخلص إلى استنتاج مهم: «إنّ الثقافة هي الوعاء الذي يستوعب ويجسّد الهُويّة، وهي التي تعبّر عن الشعور بالانتماء، فالثقافة هي توالف بين القيَم المتراكبة والمتفاعلة مع الآخر أيضاً، ولاسيّما إنسانياً، ومع العادات والتقاليد التي تعكس سلوك وحياة الناس». (جدل الهُويّات ص 71).
أعتقد أن د.شعبان اختار الجدل عنواناً لأهميّته في عمليّة صنع الرأي العام وبوصفه فناً من فنون الحوار، انطلاقاً من فكرة أن الجدل يُظهِر ما لا تظهره أنواع الحوارات الأخرى وهو كفيل بكشف الحقائق، وبالتالي التوصل إلى المشترك في الفهْم والعلاقة.
ومن هنا، نجد أن الباحث د.شعبان قد خصّص حيّزاً مهمّاً من دراساته، ومنها كتاب جدل الهُويّات لموضوعة الهُويّة والتنوّع الثقافي. وكما هو معروف، فإن التنوّع الثقافي ظاهرة عالمية الطابع لا يكاد بلد من بلدان العالم يخلو منها. كما طرحت فكرة التعدّديّة الثقافيّة كمشروع معالجة وسياسة لكيفيّة التعاطي مع التنوّع الثقافي. وبهذا الصدد يقول البروفيسور آمارتيا صن: «تحظى التعدّديّة الثقافيّة في عالمنا المعاصر بكثير من الطلب عليها، فكثيراً ما تستدعى في صناعة السياسات الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة.. حيث إن الزيادة في العلاقات والتفاعلات الكوكبية، والهجرات الواسعة على الأخص، قد وضعت ممارسات للثقافات المختلفة بعضها إلى جوار بعض». (آمارتيا صن، الهُويّة والعنف – وهْم المصير الحتمي، ترجمة سحر توفيق، سلسلة عالم المعرفة الكويت، 352 يونيو 2008 ص 151).
وبالطبع تتميّز هذه الظاهرة -التنوع الثقافي- بجملة من الإشكاليّات والتعقيدات، آخذين في الاعتبار أن المشكل الأساسي لا يكمن في التنوّع بحدّ ذاته، بل في إدارته وطريقة التعامل معه، وهذا الذي نلمسه في الحالة العراقيّة التي يقف عندها الدكتور شعبان، محلّلاً أبعادها وتجلّياتها ومقدّماً التصورات المناسبة حولها حين يقول: «إنّ الاعتراف بالتنوّع القومي يمكن أن يكون مدخلاً واستحقاقاً حقوقياً وإنسانياً لتأكيد الهُويّة الفرعيّة أو الصغرى باعتبارها استكمالاً وتعبيراً عن حقيقة الهُويّة العامة الكبرى». (كتاب جدل الهويات ص 66).
وبهذا الصدد يربط البروفيسور ويل كيمليكا بين التعدّدية الثقافيّة وحقوق الإنسان في ضوء التجربة الكنديّة وصدور قانون التعدّديّة الثقافيّة في 1988، حيث يقول: «ويمكن أن تتأكد الرابطة بين سياسات التحرّر والتعدّدية الثقافيّة بفحص الطريقة التي كُتبت بها هذه السياسات قانونياً والطريقة التي فُرضت بها قضائياً. وأحد الأشياء المذهلة بالنسبة إلى هذه السياسات هو كيف أنها ترتبط بصورة متينة وصريحة بالمعايير الأوسع لحقوق الإنسان والدستوريّة الليبراليّة، مفاهيمياً ومؤسساتياً». (ويل كيمليكا، أوديسا التعدّدية الثقافيّة – سبر السياسات الدوليّة الجديدة في التنوع، ترجمة د.إمام عبد الفتاح، سلسلة عالم المعرفة، الكويت 377 يونيو 2011 ص 134).
إذن لا يمكن الحديث عن هُويّة موحّدة أو جامعة ومواطنة كاملة دون احترام الهُويّات الفرعية المتعدّدة والمتنوّعة وضمان حقوقها وخصوصيّاتها، المؤتلفة والمختلفة – حسب وصف د.شعبان. الأمر الذي يقتضي تأمين حقوق الأقليات القوميّة والدينيّة ونبذ الطائفيّة السياسيّة قانونياً ومجتمعياً.
وضمن هذا السياق قدَّم د.شعبان مشروع قانون تحريم الطائفيّة وتعزيز المواطنة في العراق.
*****
حاولتُ في ما مرّ ذكره، التوقف عند نماذج معيّنة من دراسات ومواقف د.شعبان، وبخاصة المتعلقة بالجوانب الفكريّة والثقافيّة. فإسهاماته على هذا الصعيد متميّزة من حيث جرأة التناول وعُمق التحليل ورصانة البحث وإثارة الأسئلة والسعي لتقديم الأجوبة. ولا يعني كل ذلك الوصول إلى الكمال أو إلى الأجوبة النهائيّة، حيث تبقى القضايا المطروحة مثار نقاش وحوار وخلاف وتعدّد في الآراء، ولذلك هو يؤكد ما سبق وقاله الشاعر أدونيس: «هذا زمن تتقدّم فيه الأسئلة وينهزم الجواب».
بقي أن أُشير إلى أن د.شعبان كتب مجموعة من الدراسات والكتب القيِّمة عن عدد من الشخصيات الثقافيّة والسياسيّة العراقيّة والعربيّة، ومنها السياسي سعد صالح والسياسي حسين جميل والشاعر محمد مهدي الجواهري والكاتب شمران الياسري والسياسي عامر عبدالله والشاعر مظفّر النواب والسياسي سلام عادل وسيد محمد الحسني البغدادي والشيخ حسين شحادة. وسلّطت هذه الدراسات الضوء على جوانب مهمّة تتعلّق بحياة ومواقف تلك الشخصيات من جهة، والأوضاع السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة التي رافقت حياة ونضالات تلك الشخصيات من جهة أخرى.
ويعدّ مؤلفه «الزمن والنخب – في أنطولوجيا الثقافة العربيّة» إضافة نوعيّة إلى الفكر العربي المعاصر، حيث تناول 48 شخصيّة فكريّة وثقافيّة وسياسيّة من 16 بلداً عربياً سلّط الضوء عليها وعلى علاقته مع الغالبيّة العظمى منها.
الدكتور عبد الحسين شعبان، يؤكّد لنا عبر نتاجاته الفكريّة والثقافيّة والسياسيّة والقانونيّة، أنه مثقّف حواري ومفكّر نقدي في مسيرة ثقافيّة ومعرفيّة أتقن خلالها حِرفة المثقّف العضوي –على حدِّ تعبير غرامشي- لأنه انطلق من كون الثقافة نتاج وعي وإدراك لمعنى الحرّية، بدءاً من مواجهة النفس بما كان لها وما عليها. من هنا تأتي قيمة المعرفة التي ينتجها المثقّف، فمن دون نقد حقيقي وعلمي وموضوعي لا يمكن لتلك الثقافة أن تحقّق غاياتها، بما فيها النقد الذاتي الذي يمارسه بكلّ أريحيّة.
هذه هي رسالة الدكتور شعبان كما أفهمها، والتي نجح في إيصالها لمتابعيه وعموم القرّاء عبر نتاجاته الثقافيّة الرصينة.

أكاديمي وباحث من العراق وعضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي سابقًا.

 

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours