فاروق هلال يحرّر قصيدة النثر من قفص الاتهام

إيهاب عنان سنجاري – نمتار

منذ أن فتح شارل بودلير الباب واسعًا أمام قصيدة النثر، وهذا الشكل الأدبي يعيش معركة شرعيته الجمالية؛ معركة لم تتوقف عند حدود النقد، بل امتدت إلى الذائقة العامة نفسها. فقصيدة النثر، رغم ما راكمته من أسماء وتجارب وتحولات، ما تزال تُعامل أحيانًا بوصفها “نصًا ناقصًا” في نظر أنصار العمود والتفعيلة، وكأن الشعر لا يُقاس إلا بميزان العَروض، ولا يُختبر إلا على إيقاع البحر والقافية.

غير أن الحداثة الأدبية لم تكن يومًا مشروعًا للاستئذان، بل مشروع اقتحام. ولهذا شقّت قصيدة النثر طريقها بعنادٍ جمالي، وصنعت جمهورها الخاص، وكتّابها، ومدافعيها، بل وفرضت نفسها بوصفها أحد أكثر الأشكال الشعرية قدرةً على التقاط هشاشة الإنسان المعاصر وارتباكه وأسئلته العميقة. فهي لا تبحث عن الموسيقى في الوزن فقط، بل في التوتر الداخلي للجملة، وفي الإيقاع الخفي للمعنى، وفي الصمت الذي يسبق الكلمات ويتبعها.

ومن أكثر الاتهامات شيوعًا بحق قصيدة النثر أنها “ليست قصيدة منصة”، وأنها عصيّة على الغناء والتلحين لأنها بلا وزنٍ واضح ولا قافية تقود الأذن. وكأن الموسيقى لا تستطيع أن ترى أبعد من العَروض، أو أن تتحسس النبض الإنساني المختبئ داخل اللغة الحرة.

لكن الموسيقى الحقيقية، ككل فن عظيم، لا تعترف بالحدود المغلقة.

لقد كان الموسيقار نصير شمه من أوائل الذين تعاملوا مع هذا التحدي بوصفه مغامرة جمالية لا عقبة تقنية، حين قدّم عام 2011 تجربة تلحين نصوص نثرية للشاعر أمجد ناصر في مركز الإبداع بالإسكندرية، ليمنح قصيدة النثر فضاءً جديدًا للتلقي، ويصالح بينها وبين جمهور طالما اعتاد أن يسمع الشعر موزونًا قبل أن يشعر به.

ولم يكن الأمر مجرد تلحين لنصوص غير موزونة، بل كان إعلانًا فنيًا بأن الموسيقى الحقيقية قادرة على اكتشاف الإيقاع المختبئ داخل الروح، لا داخل التفعيلة فقط. فالمُلحن المقتدر لا يبحث عن الوزن بقدر ما يبحث عن الطاقة الكامنة في الكلمات، عن المسافة بين صورة وأخرى، وعن الانفعال الذي يجعل الجملة قابلة للتحول إلى نغمة.

صحيح أن للأوزان الشعرية سحرها السمعي الممتد عبر القرون، لكن السؤال الأكثر عمقًا:
ألم تظلم الأغنية العربية الكلمة أحيانًا، حين جعلت الجمهور أسير الإيقاع أكثر من المعنى؟
كم من الأغنيات الحديثة تُستهلك لأن لحنها راقص، فيما تمر كلماتها مرور العابر؟ وكم من نصوص رفيعة خفت بريقها لأنها لم تجد موسيقى تنقذها من عزلة القراءة الصامتة؟

هنا تحديدًا تتجلى قيمة المغامرات الفنية الكبرى.

فالموسيقار العراقي فاروق هلال، صاحب الانقلابات اللحنية الخارجة على السائد، يعود اليوم ليكسر قيدًا آخر من قيود التلقي التقليدي، عبر اختياره نصًا نثريًا بالغ الكثافة بعنوان «نبيع الوقت» للشاعر والكاتب والإعلامي حسن عبدالحميد؛ نصٌّ يختزل العمر الإنساني كله في مواجهة الزمن، دون ترهل لغوي أو استعراض بلاغي مجاني.

قصيدة تتأمل الوقت لا بوصفه ساعاتٍ تمر، بل بوصفه كائنًا متوحشًا يمضي منتصب القامة، فيما الإنسان يلهث خلف ما تبقى منه. نصٌّ يحمل مرارة الإدراك المتأخر، ذلك الإدراك الذي لا يزورنا إلا بعد أن تصبح الأمنيات أقل قدرة على الإنقاذ.

وحين اجتمع هذا النص مع لحن فاروق هلال، ثم مع الصوت المترف للمطرب حازم فارس، وُلدت ثلاثية نادرة:
الكلمة التي تفكر،
واللحن الذي يفسّر،
والصوت الذي يمنح الشعور جسده الكامل.

لم يتعامل هلال مع النص بوصفه كلمات تُغنّى فحسب، بل بوصفه بنية شعورية متحركة، لذلك تنقّل بين السلالم الموسيقية كما لو أنه يترجم تحولات المعنى نفسه، مانحًا كل جملة وزنها النفسي لا العروضي، وكل صورة حقها من الانفعال والدهشة.

إنها ليست أغنية عابرة، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الشعر والموسيقى؛ محاولة تقول إن القصيدة يمكن أن تُغنّى لأنها جميلة، لا لأنها موزونة فقط.

وربما لهذا السبب لن يُهضم هذا العمل سريعًا لدى جمهور اعتاد الأشكال المألوفة، فالأعمال التي تسبق زمنها غالبًا ما تُستقبل بالدهشة أو التردد قبل أن تتحول لاحقًا إلى علامات فارقة. وهي الفكرة التي ألمح إليها فاروق هلال نفسه، حين بدا مؤمنًا بأن بعض التجارب لا تُفهم فور ولادتها، بل تحتاج إلى زمن كي تُنصت إليها الذائقة جيدًا.

إن انتصار قصيدة النثر هنا لا يكمن في مجرد تلحينها، بل في قدرتها على إثبات أن الشعر أوسع من القوالب، وأن الجمال لا يُقاس بعدد التفعيلات، بل بقدرته على ملامسة الإنسان.

لقد ربحت قصيدة النثر اليوم شهادة جديدة؛ شهادة لم تمنحها لها كتب النقد، بل منحها لها الفن حين التقت القصيدة بالموسيقى دون خوف، وتحوّل النص الحر إلى أغنية تمتلك روحًا وذاكرة وأثرًا باقياً.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours