نمتار / سنان انطوان

بعد الأمسية الشعرية التي أحياها مظفّر النواب في جامعة جورجتاون في ١٩ أيار، ١٩٩٦ والتي ساهمت «مجلة الدراسات العربيّة» بالتحضير لها، وكان لي شرف تقديمه فيها، كان الشاعر يقف خارج القاعة يتلقّى التهاني من الجمهور. وقبل أن أقترب منه لأفاتحه بإمكانيّة إجراء حوار معه، طلب منّي أحد اللاجئين العراقيّين الذين قدموا من معسكر رفحة في السعوديّة ، من الذين يعيشون في واشنطن، أن أسأل النوّاب إذا كان يمانع في أن يلتقط صورة معه. وسألته تلقائياً لماذا لا يسأله هو مباشرة، فارتسمت على وجهه ابتسامة وقال: «ما أعرف. أرجوك!» وتذكّرت كيف شعرت أنا نفسي بالرهبة أول مرة التقيت فيها بالنوّاب قبل عام في بوسطن. بعد أن التقطت لهما الصورة، شكرني الرجل وقال: «إنت تعرف شگد نحبّه». عندما حدّثت النوّاب عن المجلة وعن رغبتي بإجراء حوار معه، قال : “إي، ليش لا”؟
واتفقنا أن يكون الحوار يوم ٢٢ أيار، ١٩٩٦، في دار مضيفه، السيد محي الدين الخطيب، في ضواحي واشنطن. في طريقي إلى اللقاء، قلّبت الأسئلة التي سهرت أفكّر بها وغمرني الشعور الذي يكتسحني حين أكون في طريقي إلى موعد عشق. هذا هو التفسير الوحيد. كلام كثير وأسئلة أكثر وشعور بالرهبة. أحسست أنّني أحمل معي حب الكثيرين ممن كان يجمعني حب مظفر بهم. تذكّرت كيف كنّا نتبادل شرائط أشعاره بالسر في كليّة الآداب بجامعة بغداد. وكيف كنّا نجتمع في بيت أحد الأصدقاء لنستمع إلى «وتريّات ليلية». كنا نتسكّع في شوارع بغداد ليلاً ونحن نردد مقاطع حفظناها عن دون قصد، ولكن عن حب. تذكّرت، أيضاً، واحدة من الجلسات الشعرية لمهرجان المربد عام ١٩٨٩. كانت الفنّانة نضال الأشقر تلقي كولاجاً شعرياً جمعت فيه عدة نصوص من شعراء كثيرين. وحين ألقت مقطعاً من إحدى قصائد مظفّر، وشعره كان ممنوعاً في العراق، تهشّم الصمت السائد وأخذ الجميع يهمس ويهمهم: مظفّر! تذكّرت صديقي البصري، إحسان، الذي كان دائماً يردّد مع مظفّر: «أين البصرة؟ أين البصرة؟ بوصلتي تزعم عدّة بصرات.» وكيف أنني عشقت البصرة من شعر السياب والنواب ولم أرها قط. وكيف أردّد كل يوم بصوتٍ عال: “في تلك الساعة، حين تكون الأشياء بكاءً مطلق”.
تذكّرت كيف أن جريدة «الثورة»، الناطقة بلسان حزب البعث، قامت بنشر قصيدة «الأساطيل» قبل أسابيع من حرب الخليج (١٩٩١) مرفقة بصورة النواب. وكانت تلك أول مرة نتعرف فيها في الداخل على تقاطيع وجهه ونربطها بصوته.
حين قابلته في بوسطن قبل سنة فوجئت بأن الشاعر الذي يتفجّر غضباً في قصائده هادئ هدوء الطفل ويقطر رقّة حين يتكلّم.
ما أغرب هذا العصر؟ المرة الوحيدة التي يتسنى لي فيها أن أحضر أمسية يلقي فيه مظفر شعره، أو أن أحظى بفرصة إجراء حوار معه، ليست في بغداد أو البصرة، بل في واشنطن، على بعد نصف ساعة من البنتاغون؟
بالرغم من متاعبه الصحيّة كان مظفّر كريماً معي بوقته. دار الحوار ونحن نتناول الباگلِةّ ونشرب الشاي في فطور عراقيّ وكان مظفّر يرتدي بلوزة عليها اسم أحد فرق كرة القدم الأمريكيّة. استرسل مجيباً على بعض الأسئلة، ولم يعجبه واحد أو أكثر فاعتذر عن الإجابة. وكأي لقاء عشق، مر الموعد بسرعة قاسية. تبادلنا بعض الأحاديث والطرف قبل أن أودّعه وبي عطش وأسئلة كثيرة.


+ There are no comments
Add yours