نمتار / أ.د. قاسم حسين صالح
“مرينه بيكم حمد
واحنه بغطار الليل
واسمعنه دك كهوه
وشمينه ريحة هيل
يا ريل صيح بقهر
صيحة عشك يا ريل
هودر هواهم ولك حدر السنابل كطا”

عزف على عوده وغناها(محمد جواد أموري) بصوته وانا اجري معه لقاءا في برنامجي ( كبار)..ولاجت الدمعة بالعين،فقال لي 🙁 لا تبجي..تروحلك فدوة)..خل نغير الموضوع وسولفلي عن مظفر النواب..وكأنه يعرف ان لي قصة مع مظفر تبدأ من عام 1964
ففي تلك السنة كنت سجينا في القلعة الخامسة بسجن بغداد المركزي في مخزن بطول (3 في 4 متر) ، وكان معي الراحل مكرم الطالباني الذي صار في السبعينات وزيرا للري،والمقدم عبد النبي قائد قوات المظليين،ومدير الخطوط الجوية العراقية،وصباح خيري شقيق زكي خيري..وما كان سياسيا!.. وكنت انا مسؤول السجن مع انني كنت أصغرهم بكثير.
وفي عصر أحد الأيام صاحني(صديقي) عريف السجن (ابو سكينه):عمو قاسم..اجاكم ضيف..(فمخزننا) كان يستقبل السجناء القادمين من (نقرة السلمان) الذين تستدعيهم المحاكم العرفية في بغداد.
فتحوا الباب فرأيت شابا اسمر ،فقلت له:
اهلا بك..منو حضرتك؟
ـ مظفر النواب
ـ نعم !
قلتها مندهشا غير مصدّق، فأنا منذ مراهقتي أحببت مظفر وكنت اكتب مقاطع من اجمل أشعاره في الغزل بقصاصات ورق وابعث بها الى (حبيبتي)..التي بعثت لي يوما بقصاصة ورق فيها سطر واحد:(حبيبي قاسم..هذا الشعر مو ألك..لمظفر النواب!)..فقلت:يا آلهي..وصل مظفر حتى الى بنات الشطرة!.ومن حبي له..اسميت ابني (مظفر) الذي صار دكتورا في الهندسة ثم في السياسة وشخصية اعلامية معروفة.
احتضنته وقبّلته وادخلته (غرفتنا)

في الليل،اكتشفت في مظفر انه ليس شاعرا فقط بل انه يجيد الغناء والعزف بلسانه وكأن روحي الخماش يعزف على العود!..وكثيرا ما كنا نسهر ونغني لدرجة أن العريف (ابو سكينه ) حارس السجن كان يأتي ويشاركنا الغناء بطور داخل حسن ومظفر يعزف له بلسانه على العود..وكانت تلك من اجمل ليالي العمر..وان كانت في أقسى سجن.!
بقي مظفر يشاركني فراشي في الليل..عشر ليال كانت فيها حكايات عن الحب وقصة قصيدته (مرينه بيكم حمد ) التي نظمها في الخمسينات وختمها اوائل الستينات..وغادرنا عائدا الى (نقرة السلمان)!
هافانا..بعد اربعين سنة!
ذهبت الى دمشق في العام 2008 لحضور مؤتمر للطب النفسي ، واستعنت بطالبتي الفنانة هديل كامل والصديق كوكب حمزة لتأمين لقاء بمظفر،وكلاهما كانا في دمشق..وحصل،واجريت معه حوارا بدأته بالحب.
قلت له: مثل مظفر..الشاعر..والمغني..والرسّام،لا بد ان يكون للحب نصيب كبير في حياته برغم الغربة ومشاكل السياسة والنضال..
تورّد وجهه قليلا” واعترف ان أول تجربه له في الحب كانت في شارع الرشيد
كانت سيارتها زغيره..والشارع مزدحم..والدنيا حاره..”التفت اليها فرأيت حبات من العرق تسيل على خديها..لحظتها تمنيت ان امسحها بمنديلي”.
ـ والى اين وصلت قصة أول حب؟
” قطعها عام 63 “يقصد الانقلاب البعثي
ـ وهل صمت عن الحب ؟
ـ ابدا..فقد احببت كثيرا
ـ اذن ،هل من المعقول ان لا تكون بين الكثيرات واحدة يختارها قلبك لتكون زوجتك ؟
صفن مظفر الذي لم يتزوج في حياته وقال لي “ما يحتاج الى تحليل نفسي
“. انا اهرب من التي تبغي الزواج مني أو تطلبه بلسانها
وعزا السبب الى ان ” الشاعر يحتاج الى فراغ هائل وليس الى صخب “. وأكد لي انه ليس بنادم على عدم زواجه، لأن الزواج ـ في قناعاته ـ صخب ووجع رأس” ، واسّر لي بقصة حب مميزة طلب أن لا أبوح بها..وسأبقيها سرّا.
وقد يكون لهذه الحالة أكثر من تحليل غير الذي قاله،منها: ان مظفر قد كرّس حياته الشبابيه للسياسة والنضال، وانه اراد ان يتفرغ لهما ولا يربط نفسه بأي التزام آخر. وربما يرجع ذلك الى انه يتمتع بـ ” يقظة ضمير ” تنبهه الى ان لا يحمّل الآخرين ” الزوجة تحديدا” مسؤولية ما يصيبه من الام ونكسات ولا يريد لهم أن يتعذبوا بسببه. أو انه وجد نفسه ان الذي يتزوج ” النضال ” لا يصلح لأن يتزوج امرأه تكون ” ضرّه ” متعبة. أو ربما انه كان في شبابه شخصية نرجسية..وهذه من خصائصها انها ترفض ان يتوحّد بها احد لأنها متوحده ” متزوجة ” بذاتها فقط . وقد يكون ـ لا شعوريا” ـ كالمعرّي ،لا يريد ان يجني على ابنه بما اصابه هو من ضيم ،وجد ان لا احد يطيقه غيره ، فاشفق على ابن احسن اليه بأن لا ينجبه!
وقد يقودنا هذا الأستنتاج الى أن استمتاع حكام العرب بهجوه لهم ، انهم وجدوا فيه متنفسا لما يعد ممنوعا ليثبتوا اعلاميا بأنهم يستمتعون بهجاء مظفر لهم بدلا من ادانته. بمعنى ، انه يمكن لكثيرين أن يروا في اشعار مظفر انها تفريغ للقهر وتغيير مساره من مشاعر وانفعالات يمكن ان تؤدي الى انتفاضة او ثورة ضد حاكم مستبد ، الى تفريغ للقهر يريح المقهور ويقتل فيه الثورة والقضاء عليه.
لكن مظفر كان صوت الناس ، صوت المقهورين صوت المحرومين من ابسط ملذات الحياة المشروعه، صوت المثقفين الذين يعانون الاغتراب النفسي والغربة عن الوطن..انه صوت الوجع العراقي الذي صار يئن اكثر بعد وداعه الأبدي.



+ There are no comments
Add yours