نمتار / هادي الحسيني
الشاعر العراقي الكبير مظفر النواب أكثر الشعراء العرب شهرة بعد نزار قباني ومحمود درويش ، لقد تعرفت على شعر النواب منتصف مرحلة الدراسة الابتدائية في السبعينيات بعد ان استمعت الى شذرات من قصائده الشعبية من داخل بيتنا . وصادف ان تعرفت على صديق طيب وحين قرأت مقطعا له من قصائد النواب ، انبهر ووعدني ان يأتي لي بكتاب للنواب اسمه ( للريل وحمد).
الكتاب كان ممنوعا في ذلك الوقت وحتى أسم مظفر النواب كان من ضمن الممنوعات باعتباره ( شيوعي ) خاصة بعد انهيار الجبهة الوطنية التقدمية بالكامل عام 1979 .. حفظت الديوان وصرت اقرأ الكثير من قصائده في مناسبات خاصة ، ثم بدأت تصل بغداد بطرق سرية تسجيلات بصوت النواب وهو يقرأ قصائده الفصحى في بيروت وعواصم اخرى الأمر الذي جعل من شعبيته وشهرته داخل فلسطين وسوريا والأردن ولبنان كبيرة جداً فكانت قصيدته الشهيرة وتريات ليلية أول ما حفظت من شعره الفصيح ، في تلك الفترة وانا في عمر المراهقة كان ديوان المتنبي يرافقني واحفظ منه الكثير ، وتعرفت على شعراء آخرين فكان سعدي يوسف ومحمود درويش الأقرب الى روحي . ,أذكر جيدا في عام 1986 كنت جندياً في منطقة تسمى ( الصُريّفة ) بالقرب من قضاء القرنة ومحاذية الى قضاء العزير وكانت وحدتي العسكرية تهىء لحفلٍ داخل المعسكر في ذكرى ميلاد الرئيس !، فبعث لي ضابط التوجيه الذي يقوم بترتيبات الحفل وطلب مني قراءة قصيدة عن الرئيس وميلاده ، فقلت له بأني لم أكتب الشعر السياسي يوما لكني أكتب شعر الغزل,,!

كنت أحاول الإفلات من قراءة القصيدة ، لكن الضابط فرح كثيرا وقال : نريدك ان تقرأ لنا الغزل وجندي آخر سيقرأ عن ميلاد الرئيس .. وحين اعتليت المسرح وعرفت ان آمر اللواء من اهالي الناصرية ، قلت في قرارة نفسي ما أجمل الحصول على إجازة لمدة اسبوع والذهاب الى بغداد ، فقرأت قصيدة مظفر ( يا ريحانة ) التي احفظها جيداً انبهر الجميع وأولهم آمر اللواء الذي ظل يلوح لي بيده مع كل مقطع اقرأه .. وما انتهيت من القراءة حتى صعد ضابط التوجيه الى المسرح بعد ان همس في أذنه آمر اللواء وقال : كرم السيد الآمر الشاعر المقاتل هادي .. عشرة ايام اجازة بعد انتهاء الحفل ليلا وكأني حصلت على ثروة طائلة .. بقيت مدينا الى مظفر النواب في تلك الإجازة الجميلة والتي قد تكون أنقذتني من الموت ، لم أنسَ قصيدة ريحانة لمظفر النواب ومازلت احفظها .. ومرت سنوات طويلة ، حروب ، سجون ، قمع ، حصار ، وكنت أحلم يوماً بلقاء مظفر النواب ، وحين غادرت العراق في اوآخر عام 1994 الى عمّان تعرفت على البياتي وسعدي يوسف وأصبحت صديقا لهم وإلتقيت بمحمود درويش ، لكني كنت أتابع اخبار مظفر النواب الذي كان يقيم في دمشق والذي لا تفصلني عنه سوى مسافة ساعتين في السيارة ، ودائماً ما كان يذهب سعدي يوسف الى دمشق وكذلك البياتي في سفرات شهرية وعندما يعودا أسألهم عن مظفر النواب ، وقد إلتقيا بالنواب ويتحدثون لي عن لقائهم به ، وفي عام 1998 كنت قد كتبت قصيدة طويلة اتحدث فيها عن البصرة والحرب ومعاناتي كجندي في جبهات القتال واهديت القصيدة الى مظفر النواب بعد ان ارسلتها الى لندن للنشر في مجلة الاغتراب الأدبي التي كان يصدرها الشاعر والمترجم الاستاذ صلاح نيازي ، وبعد شهور وفي واحدة من الجلسات مع البياتي قال لي : لقد سألني عنك مظفر النواب .! لم اصدق ما قاله لي البياتي الذي أكمل حديثه ، لقد قرأ النواب اهداء قصيدتك له في مجلة الاغتراب الادبي !!
كنت احس قد اصبح اللقاء قريبا معه ، لكن ليس بأستطاعتي مغادرة عمّان الى الشام في فترة التسعينيات إلا بطلب خاص بالعراقيين وتزكية من دكان من دكاكين المعارضة !. وجاء عام 1998 وفي نهايته غادرت الى النرويج مودعاً العالم العربي برمته بعد رحلة مريرة من الحروب والحصار والسجن والمنفى ، مضيت ثلاث سنوات في المنفى وكان عليّ الذهاب الى دمشق لاكمال معاملة زواجي في السفارة النرويجية ، ذهبت الى دمشق لاول مرة في حياتي ولكن بجواز نرويجي وكانت دمشق رائعة وجميلة بطيبة اهلها ،كان ذلك في صيف عام 2001، إلتقيت بأصدقاء في مقهى الروضة وسألت عن مظفر النواب ، قالوا لا يجلس هنا إلا ما ندر ، جلوسه الدائم في مقهى هافانا . وانا امشي في دمشق شاهدت مقهى مكتوب عليه ( هافانا ) ألقيت بنظرة على الجالسين ، لم يكُ النواب من ضمنهم ، عدت الى البيت الذي أستأجرته في حي السيدة زينب مع والدي وزوجتي وفي اليوم الثاني ونحن نمشي في اسواق السيدة إلتقيت بصديقي الجميل أيام الحروب والجبهات وقراءاتنا للشعر والغناء بصوته الشجي انه صباح الرشيد ، كان لقاءً جميلا ، وأثناء الحديث قال لي صباح عثمان : يوم أمس كنت جالسا مع مظفر النواب ، فرحت كثيراً وأحسست بقرب اللقاء بالنواب وفي احد مكاتب الكومبيوتر المنتشرة للتو بعد الثورة التكنولوجيا ،رفع صباح سماعة الهاتف ليتصل بمظفر النواب وانا أستمع ، ثم قال له أن فلانا يريد مقابلتك ، وكان يقصدني ، فحدد النواب موعدا للقائي في مقهى الروضة في اليوم التالي.
كان شعوري بالفرح لا يوصف ، في اليوم الثاني ذهبت مع صباح الى المقهى قبل الموعد بربع ساعة ، فوجدت مظفر النواب جالسا لوحده بانتظاري ، ألقيت التحية عليه وعانقته وكأني ملتقيه من قبل ، جلسنا لاكثر من ساعتين ودخلنا بحديث طويل عريض عن ذكريات قصائده الجميلة التي احفظها ، حدثته عن قصيدته ( يا ريحانة ( وكيف قرأتها في جبهة الحرب وحصلت على إجازة بسببها ، ضحك النواب وهو مستمتع لحديثي ، حدثني عن فترات نضاله المريرة داخل العراق ، كان بسيطاً وطيباً ورائعا بكل شيء ، تحدثنا عن رواية حيدر حيدر ( وليمة لاعشاب البحر ) التي كانت الاوساط الثقافية والاعلامية مشغولة بها آنذاك ، وكان النواب احد ابطالها حيث تتحدث الرواية في فصل مطول عن فترة الكفاح المسلح للحزب الشيوعي العراقي في اهوار العراق ، واذكر جيدأ انه قال : بأن الكثير من الاحداث غير صحيحة ، كتبها الروائي دون دقة بعد ان اعتمد على احاديث شخص اقحم نفسه ، محاولا تزوير تاريخ معروف للجميع ، ثم حدثني عن البياتي رحمه الله وكيف مات في بيته الدمشقي.
أنهيت اللقاء الذي إلتقطنا فيه الكثير من الصور التي لا اعرف اين مصيرها الى الآن ! واتفق معي على اللقاء في اليوم التالي بعد ان ألح على دعوتي مع صباح الرشيد والصديق القاص الذي جلس معنا ( جعفر كمال ) القادم من لندن ، ودعته وفي الطريق كنت أقول لنفسي لقد تحقق حلم اللقاء بمظفر النواب . وفي اليوم الثاني نشرت الصحافة السورية خبر وفاة اخته الكبيرة في بغداد ، وثمة مجلس عزاء سيقام لها في الشام ،حضرت العزاء وكان النواب يقف في المقدمة وهو يستقبل المعزين والى جانبه صديقه الشاعر رياض النعماني .. وبعد انتهاء العزاء ودعت النواب الذي ظلت صورته الجميلة داخل روحي عندما كنت صبياً واحفظ قصائده الجميلة ولم تتغير الصورة بعد اللقاء معه ، لا بل كبرت وعظمت.


+ There are no comments
Add yours