ما بين الجرأة والإنصاف  يترواح  كتاب عبدالحسين شعبان “مظفّر النوّاب-رحلة البنفسج”

نمتار / حسن عبد الحميد 

“أرى العيشَ كنزاً ناقصاً كل ليلةٍ

وما تنقصُ الأيام ولا الدهرُ ينفدِ”

طرفة بن العبد

مدخل للإهداء

أستهلها مصادفة مُلفتة ورائقة -بالنسبة لي على الأقل -بأن يُهدني  الباحث والمفكر الكبير د.عبد الحسين شعبان نسخة من كتابه “مظفّر النوّاب- رحلة البنفسج”في ذات يوم ميلادي مزهواً بإهداء باذج وشفيف،دون أن يتيّقن أو يتوّقع تلك المناسبة باليوم والشهر هو،قطعا-مجرد مصادفة كما ذكرت- كما وشاء أن يُهدي كتابه هذا- من بعد ربع قرن من الآن- إلى روح الراحل أبو كَاطع”شمران الياسري” فيما كان قد أهدى كتابه الموسوم “أبو كَاطع -على ضفاف السخرية الحزينة” الصادر بطبعته الأولى عن نادي الكتاب العربي في لندن عام/1998 إلى مظفّر النوّاب مذيّلاً بمقطع من قصيدته “المساورة أمام الباب الثاني”معللاً،مؤكداً نبل مساعيه ودواعي ربطه لما جاء يجمع ما بين الأثنين”الياسري والنوّاب” من خوالص إبداع وحميميّة قُرب من الناس،فضلاً عن صدقيّة توّجهاتهما،كما يُوضح ذلك في فحوى الإهداء،الكتاب ص11،والصادر-حديثاً- عن دار النّهار في بيروت، فيما جرت مراسيم  حفل توقيع إشهاره في العاصمة الأردنيّة- عَمّان يوم 25/أيلول/2023

بإتساع زوايا النظر

إذا كان المُتصوّف محمد بن عبد الجبار النًفري يرى بعباِرته الرامية للقول؛”كلما أتسعت الرؤية ضاقت العبارة”،فأن مبادئ علوم الإعلام الحديث بأنواعه تنادي بضرورات إتضاح الرؤيا من خلال تعددّ زوايا النظر بغية مجانبة الحقيقة والسعي لقطف ثمار أبرز جوانبها، فيما تبقى الحقيقة -وعلى مرّ العصور-هي الضحيّة الوحيدة في أي نزاع أو صراع.

ربما .. قد يقربُ مثل هذا التمهيد دخولاً صوب ما جاء ينشده ويبغيه د.عبد الحسين شعبان من سطوع رحلته عن النوّاب،من خلال  مسارب زوايا عدّة ومداخل كشفت عن قُرب ودقة رصد جملة جوانب حقيقية،إنسانية وسياسية وما شاكل من تلك التي كان يتمّتع بها صديقه مظفّر بحكم منحى ومنوال ما  ورد يَقرب من خمسة عقود من عمر علاقتهما الدائمة، تلك التي طافت بهم  العديد من الأمكنة والمُدن التي شيّدت بينهما جسورعلاقات وتعمّق لقاءات،مواقف ومراسلات وربما بعض خفايا وخبايا وأسرار.َ

شاء أن أحكم د.شعبان على جوانب خفيّة ومهمة  للكثير مما تعرّض إليه صاحب الرحلة عبر الكثير-المثير مما عاناه وتأذّى منه ونال، حتى من أقرب رفاقه في الحزب الشيوعي الذي أنتمى إليه أثناء أعوام دراسته الجامعيّة  حيث فُصل  لمدة شهر بعد انتفاضة تشرين أول/أكتوبر1952 بقرار من عمادة كليّة الآداب التي كان قد أنتسب إليها في العام/ 1949وكان قد صادق على ذلك القرار مجلس التعليم العالي ووزارة المعارف،الكتاب ص223،لكنه قابل كل ذلك بحكمته وصمته وهدوئه الغامض والخلاّب وشخصيته الآسرة والصبورة في أحلك الظروف وأقساها.

ضمير المُذنب

لم يدع الباحث بخبرته وحنكة موضوعيته المعروفة ودأب مناسيب إنصافه المعهود والمعقود بجرأة وإتزان هدفا نبيلاً لنيل ما يمكن نيله من جوهرالحقيقة التي قال عنها شكسبير من إنّها تُخجل الشيطان،أي مدعاة لمنفذ أو خرم مجال أمام من سيتعرّض للظاهرة النوّابيّة بكامل وكافة امتيازاتها الإبداعيّة،كما هو الحال فيما يجانب سيرة مظفّر العائلية والانسانيّة والشخصيّة والسياسية على وجه العموم،بعد أن ختم بالشمع البنفسجي حياة وعوالم هذا الحالم الطريد الذي طاف شرق الأرض وغربها بحثاً عن ذاته وأنين أشواقه الغامضة، فقد تماثل دأب د.شعبان وأستفرد بما حمل  من ذخائر وكنوز معلومات وكثيرخبايا وخفايا و ربما حفنة أسرار.

حدث وأن دنا الباحث بجهده وكياسة فهمه وقابلية هضمه وطبيعة اخلاصه لمبادئه بالاقتراب من تخوم وعوالم هذه السيرة عبر مثابات هذه الرحلة وأحتاز سبر أغوارها على نحو ما جعل منها قضية وطنية واخلاقية،بعد أن مهّد لها وهيّأة بأن تكون جاهزة،شاخصة تتوق لمن يسعى لتجسّدها في سياق شريط  سينمائي-وثائقي متقن،أو كما لو جاءت على شكل  وهيئة بانوراما تعبيرية قّدّت بأزاميل نحت دقيق الحواف وسند مجريات حَفر وتشذيب زوادها على نحو ما سوّره الباحث وأدام فيها حقيقة روح التحدي والمقاومة التي ميّزت رحلة النوّاب برغم سعة مساحات عذاباته،ومخاطر ما واجه وتصدّى على طول وعرض تجربته الابداعيّة المحصورة  بزهاء سبعة عقود من حياته الشائكة والمريرة.

فيما أخلص د.شعبان لسيرة وسمعة صديقه و رفيقه،فضلاً عن تخليصها من براثن ما أحاطها من نيل وشكوك وعقوق و تخرصات، للحدّ الذي أعتبر رحيله في أحدى مستشفيات الشارقة يوم 20 آيار-مايو/2022 ولادة أخرى وجديدة ومناسبة تصحيحة  ومراجعة من لدن كل من نال منه وتعرّض له تحت طائل أية ذريعة أوغطاء- سواء أكانوا من الأموات أم الأحياء- بشيء من مشاعر تأنيب الضمير.

كشوفات نقد وتقييم

تحيلنا مرصودات وكشوفات نقد وتقييم الباحث والمفكر د.عبدالحسين شعبان بحكم ما تمّكن وبرع في تنقية وتثمين قدرات ومهارات ومواهب النوّاب المتعددّة والمبهرة حتى لأشعرنا وأدهشنا بقدراته التوصفيّة والتحليلية والتوليديّة لقصائد الشاعر مستنفدا،مستنهضاً أبلغ أدوات ومقتربات تأطير تجربته الحداثوية والتثويريّة وفق مقتضيات هذا النسق الحاني والجهد الجمالي والموضوعي الداعم لشهية وذائقة متمرسة وحرّة  فُتنّتِ تنوء بحرارة حدس تفاعلي مشفوع بدلائل كشف نقدي مترع بالندى والنور ودرجات الوضوح الخالص الروح والبوح والمسعى وكل ما يبعث بالنفس من ثقة فصح مشفوع بحدس كشف نقديّ مثالي باعث على فحص وجس أنفاس ونبضات قصائد الشاعرالمدهش في عزّ بلوغ تقصي نهج تجربته الفريدة بشقيّها” المحكي والفصيح”،والتي ما أنفك  تخضع لمقارنات ومقتربات من مديات  ما كان قد أجتهد بنسجها وتوريدها رواد الحداثة الشعريّة في العراق،السيّاب /نازك /البياتي وصولاً لبلند الحيدري ومن تلاهم.

كل ذلك  قد تأتى بجدارة تحليل نفسي وذوقي عميق حفل يحفر ويؤّصّل في أستكناه و تبئير الظاهرة النوابيّة من خلال أنساق وأتساقات مواقفها الكونيّة  والتحريضيّة  في الحياة والحبّ والشعر والسياسة،من تلك التي أشارد.شعبان وما نشر عبرتوزيع مرتسمات تقصّي ما رسم وحدّده من معابر وموصلات لهذا العالم الخفي والسحيق الذي يتغلل ويسكن روح الشاعر الخصبة والمعمّرة في نفوس محبيه وعُشاق  شعره وفنّه،فكثيرة هي المعطلّات والعوائق التي رافقت رحلة النوّاب في خضم حياة قلقة ومرهقة قوامها التصدّي والتأمل و التحمّل بشرف رفع رايات الاحتجاج و الرفض والمقاومة عبر جميع كافة مراحل حياته وتمرداتها المرهونة بأواصر فهم ووعي مقصود  ما فتىء سعي  لإبراز أبعاد وأفاق شخصيته بفعل مكابداتها وأيوبيّة”نسبة الى ايوب” صبرها،وسواند تمرّها الدائم و المكابر،فتمرده- كما يقول د.شعبان- لم يكن ضرباً من العبث أو اللاجدوى،بل أن العبث بحسب وصف الباحث والموّثق  لمجريات هذه الرحلة- ألا يتمرّد الإنسان.

ما نبغي قوله

هل سيحق للقارىء المتمرّس،الحاذق واللبيب  أن يُعيد ترتيب سياق وأنساق الأقسام الخمسة التي حواها الكتاب عدا كلمات الإهداء-طبعاً-،إلى جنب تلك المُقاربة الاستهلالية المنضوية تحت دّوحة عنوان “مظفّر النوّاب -صورة عن قرب الوافدة في تسلسل صفحات الكتاب من ص13 إلى ص24 بوفرة وكثافة عناوين مداخلها وفق التالي؛(“البروموثيوسية” تمرّداً وشعراً/ سيرة لم تُكتب/ الشَعرية والشاعرية/ المبدع والمكان/ الأصول والذاكرة/ المحكي والفصيح والإغتراب/ الفنّان/ الفرادة/ صداقة مديدة)، كونها جاءت “أي المقاربة” بمثابة مياسم و”فرشة” أتسعت تُفضي دخولاً صوب عوالم مطفّر- نعم عوالم وليست عَالما واحداً- بكل ما حَمل النوّاب من نوائب  مِحن وسَفر عذابات وإعتقالات و تداخل إغترابات ومسالك سخط و تعسف حيرة،والهدى بالحيرة، والحيرة حركة ،والحركة حياة بحسب محيي الدين أبن عربي، وشفاعة الباحث ،المفكر،العارف الفيلسوف الذي أرتأى-تواضعاً قلّ نظيره،وأن كان ليس بجديد وغريب عليه إلى وضع  القسم الرابع من أصل الأقسام الخمس الجامعة لعموم الكتاب،تحت ما أسماه”إضمامة بقلم جاسم مطير “الدكتور حسين شعبان كاتب خطّاف.. زفزفات الفانتازيا وألوان زخارفها في أشعار مطفّر النوّاب” من ص77 إلى ص87

في الثناء على الكِبار

إذ أقف -هنا- عند تخوم هذا الفصل،إنّما لكي أُّصّل”من تأصيل” قيّم التعامل الإعتباري الفخم والتفاعل النوعيّ والحقيقي الذي يُسوّر ويسود دواخل وعقول الكبار من مبدعينا،وما أفاد به الراحل الكبير جاسم المطير الكاتب والناقد والروائي والصحافي والإقتصادي المولود في البصرةعام/ 1934،والمتوفي في هولندا في الثالث والعشرين من كانون الثاني من عامنا الحالي /2023،لهو الأنموذج الأمثل لما رصفه د.شعبان بحق المطيرالذي كان رفيقاً ملازماً  للنوّاب أبّان فترات سجنهم في نقرة السلمان،وهو يخصصّ قسماً كاملاً لما كان قد أنشّأه الأخير عبر الدراسة التي نحتها وتناولها نقداً وتقيمناً،على خطى وأضواء ما أنارته محاضرة خصبة وثرية ضمّتها وأستقدمتها لتكن بدء منهاج  إفتتاح الاحتفالية الكبيرة التي أقامها مركز گلاويژ الثقافي في مدينة السليمانية ” فندق الميلنيوم”  يوم الثاني والعشرين من شباط/ 2020 بثريا عنوان “مظفّر النوّاب- يتلألأ في ضمائرنا” والتي كان لي شرف الإسهام بالإعداد والتنظيم لها  عبر تكليف إعتباري وشخصي من لدن الشخصيّة السياسيّة- الثقافيّة الكورديّة المعروفة  الإستاذ حكمت محمّد كريم “ملا بختيار”ود.إبتسام أسماعيل قادر مديرة المركز لمتابعة مجمل تفاصيل دعوة الوجوه والشخصيات التي  من شأنها الإسهام والتفاعل في مفردات منهاج الاحتفالية من خلال إختيار محاور الدراسات النقديّة والممكن والمتاح من المقتربات التي تلامس وتجانب سيرة وحياة النوّاب العابقة والمعانقة بعموم متسعاتها و نواهلها  الفكرية و الفنية، الاجتماعية والسياسية والنضالية لكل ما شكّل من مهابات وتحديات شخصيته التائقة للتحدّي والتمرّد بالوقوف العنيد – الصلد  ضدى كل قوى الظلم والقهر والإستلاب بأنواعه ومقدّراته في عموم العالم الذي يحلم به النوّاب ولم يجد أي خلاص غير  القبول بالموت أملاً بالخلود.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours