في ذكرى وفاة شيخي مظفر النواب

نمتار / عماد العصاد

كان مظفر النواب شيخي في الغضب، لا في الشعر وحده عندما قال (تعب الطين) كان يلمس الموت، كمن يعرف أن الجسد ليس أكثر من حفنة تراب مؤجلة..

لم يكن الموت عنده نهاية مرتبة.

كان شيئًا يبقى عالقًا في الفم، وعلى أطراف البلاد التي تتعب قبل أهلها .

كأن الطين نفسه صار مرهقًا من حمل الدم هذه السنين كلها.

وحين كتب القديس مظفر (هذا طينك يا الله)

لم يكن يهاجم السماء كما ظن البعض

كان يرفع خرابنا أمامها فقط، ويقول لنا بطريقة موجعة إن العربي لم يعد يعرف من أين يبدأ وجعه..

أمن الحاكم

او الهزيمة

أم الخوف

وربما من تلك الطاعة القديمة التي جعلت القاتل يمرّ باسم الوطن مرة، وباسم الدين مرة اخرى..

أما فلسطين فلم تكن عنده لافتة، ولا خطبة مهرجان

كانت شيئًا شخصيًا جدًا

أمًا خائفة

وبيتًا مهدومًا

ورائحة دم لا تخرج من القميص

ولهذا حين قال

(بوصلة لا تشير إلى القدس مشبوهة)

لم يكن يصنع عبارة للتصفيق

كان يقولها ثم يصمت

وفجأة تشعر أن أصابعك متسخة

والعراق ظل وجعه الأعمق

لم يغادره كما يغادر الناس المدن

حمله معه في الرئة، والسعال، والمنافي

وفي صوته الخشن، كأنه احتكّ طويلًا بجدار زنزانة

وحين قال:

(يا إلهي

إن لي أمنية ثالثة

أن يرجع اللحن عراقياً

وإن كان حزين)

لم يكن يطلب الفرح

كان يريد فقط أن يعود الحزن عراقيًا

حتى الوجع كانوا يسرقونه من أهله

ثم جاء المرض

يد ترتجف

جسد يتعب بالتدريج

وصوت قديم يقاوم من داخل العظم

كأن الشلل أخذ الجسد، وترك القصيدة واقفة ترفض الجلوس مع هذا الخراب.

وفي النهاية عاد إلى العراق داخل تابوت

يا لقسوة هذه الجملة

الرجل الذي هرب من السجن عبر نفق

وعاش في الأهوار

وتنقل بين المنافي والمطارات الباردة

عاد هذه المرة صامتًا

بلا قصيدة

بلا شتيمة

ولا حتى عتبًا صغيرًا

عاد محمولًا على أكتاف الذين صرخ لهم عمرًا كاملًا

كأن العراق لم يعرف كيف يحتضنه، إلا بعدما صار جسدًا لا يطالب بشيء..

حتى شتائمه لم تكن سوقية كما حاولوا اختصاره

كانت آخر براءة ممكنة لرجل رأى القبح عاريًا

حتى صار الكلام المهذب يبدو قذرًا أحيانًا

وفي النهاية

ربما كان يعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا حين قال:

نحن أمة

لو صُبّت جهنم على رأسها

لبقيت واقفة)

ولهذا ما زلنا نقف رغم كل هذا الخراب

لا لأننا انتصرنا

لأن السقوط نفسه تعب من انتظارنا

ويبدو أن (أولاد القحبة)

كما قلت يومًا يا شيخي

كانوا أطول عمرًا من البلاد نفسها

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours