عن مواسم التوصيفات والمصطلحات اللغوية

نمتار / بيروت / د. ناصر زيدان

يستوقفك عند قراءة المقالات والأبحاث والتقارير السياسية إبان هذه الفترة؛ التكرار عند عدد كبير منها في استعمال توصيفات ومقارنات مُتشابهة، واستخدام مفردات عربية كأنها ولِدت حديثاً، أو كأن قيمتها ازدادت قياساً لما كانت عليه، فيما يُشبه سوق صرف أدبي، تُحدَّد فيه أثمان الكلمات، وأسعار أسهُم السجعِ والمرادفات وما هو الرائج في هذا السياق من بحور الخليل والتشابيه ومُنتقيات الإيحاء والمجازيات.

دفعتنا الحشرية والفضول الى تتبُّع نصوص بعض الكتَّاب المشهورين منهم، او الذين يبحثون عن الشهرة، او بعض مَن هم في منتصف الطريق للوصول اليها. تأكدنا بالفعل أن لضنوننا مُبررات واقعية، وبعض تعقيباتنا ليست على سبيل التنمُّر، او التحامُل. وكان صيدُنا في رحلةِ التتبُّع ثمينٌ ووافرٌ، ولم نتمكن من استعراضه كلهُ أمام القارئ، لعلَّ عرضه مكشوفاً من المظاهر التي يمنعها القانون كما يمنع موبقة حمل الطيور المقتولة على جانب خصر الصياد، وربما يقع عرض غلتنا جهاراً تحت طائلة المُساءلة، ونُحاصر حينها في دائرة الضنّ، او الإتهام، أو في مواجهة الجيوش – او الذباب – الالكترونيين، التمجيدية منها او التشهيرية، لأن تصوير الكبوة عند البعض تُسبِّب وجعاً أبلغ من وجع السقطة ذاتها.

فيما عثرنا عليه؛ توصيفات جميلة جداً، ومفردات حلوة، تتكرَّر على نطاقٍ واسع. وهي بالفعل تُساعد على توضيح الفكرة، لا سيما منها المقارنات المُخملية التي راجت عند بعض الارستقراطيين والارستقراطيات من الكُتَّاب، وهي أنيقة المظهر من حيث ترادفها، ومُنظمة من حيث تلازُمِها، ورقيقة من حيث النفحة الأدبية والشعرية التي تحملها، ولكن المثل العامي يقول “ومِن الحُبِ ما قتل” وأكلُ العسل الطيب بشراهة يؤدي الى تلبُّك معوي غليظ. والعلاَّمة اللغوي الشهيد صبحي الصالح قال: أن اللغة العربية هي الأغنى والأثرى بين لغات الأرض في عدد المفردات والكلمات والتشابيه. والمفكر والأديب المهجري اللبناني ميخائيل نعيمة قال: لا بد من التزاوج بين عقل الأديب وقلمه.

“”لامن أجل … بل في سبيل

“”ليس بهدف … بل من أجل

“لم يعُد الأمر… بل أصبح”

إنها مصطلحات موضوعية وبليغة، ولكنها تتكرَّر في النص الواحد مرات عديدة، وقد أحصيت منها لأحد الكتَّاب المرموقين 26 استخدام في مقالة و19 في مقالةٍ أخرى على سبيل المثال لا الحصر. وتكرار استخدام الكلمات ذاتها في نصٍ لا يعتبر شعراً سجعياً؛ بمثابة الإخفاق الأدبي، وهو يحرمُ العمل الإنشائي من أحد أهم أركانه، وهو حسن البيان وبلاغة التعبير، وبقدر ما تكون المفردات مُتعددة ومتنوعة؛ بقدر ما يكون المضمون متماسكاً. ونجاعة استخدام المفردات يُعبر عن رفعة شأن الكاتب وسِعة اطلاعهِ، وسعةُ المُعجَم من سعة الأفق.

ونقرأ كلمة “بوصفه أو بوصفها” عشرات المرات في مقالة أو بحث واحد – كما كنا نقرأ كلمة “بامتياز” في نهاية العقد المُنصرِم – والكلمة بمذكرها وبمؤنثها؛ تُستخدم لتوضيح مدّ السياسة وجزرها، وفي المعارك العسكرية واخفاقاتها، وفي التعبير عن الأفكار المختلفة والمتنوعة، بما في ذلك في قواعد القانون، كأن تلك الكلمة الجميلة المُستحدثة في بطون النصوص المعاصرة “خلقها الله وكسر القالب”، بينما هناك عشرات المرادفات لها في لغتنا الجميلة يتمّ اغفالها، وكأن في استعمال الكلمة المذكورة اعلاه استبيانٌ لهوية الكاتب، او دلالةً على عصريته، وانحيازه الى مُخملية كتابية لا يلوج اليها إلا أقرانه من “المُستعصرين” او المُعاصرين.

بمناسبة طرح هذه التساؤلات التي قد لا تكون مُستساغة عند البعض؛ لا نخفِ خشيتنا من خطر الإنحباس في أرخبيلٍ ضيق من بحر اللغة العربية الواسع، وفي ذلك شيءً من الانكفاء، كما فيه ظلماً يطالُ كلمات جميلة لا تُعطى حقها، ولا تستخدم بما فيه الكفاية، وهي متروكةٌ ومركونةٌ في زوايا مظلمة، او أنها غير محبوبة من أركان الحداثة.

القاعدة الأدبية تفرض عدم تكرار عبارة مُحددة في نصِّ واحد لمرات عديدة. ومن البلاغة أن لا تُستخدم ذات الكلمات للتعبير عن أفكارٍ مختلفة ومتعدِدة، حتى ولو كانت الكلمات جميلة، لكن تكرارها قد يبعث على الملّل أو الزهوق. وركوب الموجة، او تقليد “الموديل” يصحُّ في مناحٍ كثيرة، لكنه قد لا يصحُّ في مسالك الإبداع وفي بناء السطور المُعبِّرة.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours