نمتار / د. عبد الوهاب العاني
لم تعد أخطر أزمات مجتمعاتنا ناتجة عن الفقر أو ضعف الإمكانات بقدر ما أصبحت ناتجة عن فوضى التفكير السياسي، والعشوائية في تفسير الأحداث، وتحويل الشأن العام إلى مساحة للانفعالات والضجيج والشعبوية. فحين يغيب المنطق، وتتراجع المعايير، وتُدار الدول بعقلية ردود الأفعال، تدخل الأمة مرحلة يمكن تسميتها بـ”العشوائيات السياسية”.
العشوائيات لا تعني فقط البيوت المتلاصقة أو غياب التخطيط العمراني، بل هناك عشوائيات أخطر تتسلل إلى العقول والمؤسسات والخطاب العام. إنها العشوائيات التي تجعل القرار السياسي وليد المزاج، وتجعل الجماهير تتنقل بين التقديس والتخوين خلال ساعات، وتجعل الإشاعة أقوى من الحقيقة، والانفعال أعلى صوتاً من العقل.
في ظل هذا المناخ، لم تعد السياسة تُناقش باعتبارها إدارة لمصالح الناس وبناءً للدولة، بل تحولت إلى سوق مفتوح للصراخ والمزايدات. تختفي الأسئلة الحقيقية المتعلقة بالكفاءة والرؤية والخبرة، لتحل محلها أسئلة الولاء والانتماء والتسويق الإعلامي. وهكذا يصبح السياسي الناجح ليس من يمتلك مشروعاً، بل من يجيد صناعة الضجيج واستثارة العواطف.
ولعل الأخطر من ذلك أن حالة الارتباك لم تعد مقتصرة على الجمهور العام، بل امتدت حتى إلى الباحثين في الشأن السياسي والمحللين من ذوي الاختصاص. فقد اختلطت الرؤى، واضطربت أدوات القراءة، وتحولت البوصلة السياسية إلى مرافئ وموانئ لم تكن متوقعة، حتى بدا المشهد وكأنه أكبر من قدرة المناهج التقليدية على تفسيره.
لقد اعتادت المدارس السياسية الكلاسيكية على تحليل الدول وفق معايير المصالح الواضحة، والتوازنات المعروفة، والحسابات المنطقية، لكن الواقع الحالي بات يدار أحياناً بمنهج الفوضى المقصودة، والرسائل الضبابية، والتفاهمات غير المعلنة، والتحولات المفاجئة التي تُسقط أكثر التوقعات دقة.
ولهذا أصبح كثير من المحللين أسرى للدهشة، لا لأنهم يفتقرون إلى المعرفة، بل لأنهم يواجهون مشهداً سياسياً غير مستقر المعايير، سريع التحول، تتداخل فيه المصالح الداخلية بالإقليمية والدولية، وتتحكم فيه غرف معتمة أكثر مما تتحكم به المؤسسات المعلنة.
إننا اليوم ننتظر ظهور شريحة جديدة من الباحثين والمحللين السياسيين؛ شريحة لا تكتفي بقراءة النصوص الظاهرة، بل تمتلك القدرة على فهم دهاليز الفوضى السياسية، وآليات صناعة المشهد من خلف الستار، وكيف تتحول العشوائية أحياناً إلى أداة حكم، وكيف يُدار الغموض بوصفه استراتيجية لا خللاً عابراً.
نحتاج إلى عقول تستطيع التعامل مع السياسة بوصفها علماً متغيراً لا قوالب جامدة، وتدرك أن بعض الأنظمة لم تعد تتحرك وفق المنطق التقليدي، بل وفق إدارة الصدمات، وصناعة الإرباك، وإشغال الرأي العام بالتفاصيل الثانوية لإخفاء التحولات الكبرى.
وساهم الإعلام المنفلت ومنصات التواصل الاجتماعي في تسريع هذه الفوضى، حتى أصبحت المعلومة تُستهلك بوصفها مادة للإثارة لا للحقيقة، وتحول بعض المحللين إلى صُنّاع رأي لحظي يلهثون خلف الترند والانفعال الجماهيري، بدلاً من تقديم قراءة عميقة ومتزنة للمشهد. وهكذا ضاعت المسافة بين التحليل والتهويل، وبين الوعي والتعبئة العاطفية.
إن أخطر ما في الشعبوية أنها تمنح الفوضى غطاءً جماهيرياً، فتجعل العبث يبدو وكأنه “إرادة شعب”، بينما الحقيقة أن الشعوب حين تُغيَّب عنها المعرفة وتُحاصر بالدعاية والخوف والانقسام، تصبح أكثر قابلية للانقياد خلف الخطابات العاطفية والشعارات الفارغة.
وحين يسود اللامنطق، تبدأ المفاهيم بالانقلاب؛ يصبح الغموض “حنكة سياسية”، وتتحول الصفقات إلى “توافقات وطنية”، ويُقدَّم ضعف المؤسسات على أنه “مرونة”، بينما تُهمَّش الكفاءات وأصحاب الخبرة لأنهم لا يجيدون فن الاستعراض الإعلامي.
لقد شهد العالم تجارب عديدة لم تسقط بسبب نقص الثروات أو ضعف الإمكانات، بل لأن الفوضى تحولت فيها إلى أسلوب حكم، والشعبوية إلى بديل عن المؤسسات، حتى فقدت الدولة قدرتها على اتخاذ القرار الرشيد أو استعادة ثقة المجتمع.
إن الدولة التي تُدار بلا وضوح تشبه سفينة تسير في بحر هائج بلا بوصلة. قد تستمر لبعض الوقت، لكنها تبقى معرضة للاصطدام في أي لحظة. فالدول لا تُبنى بردود الأفعال، ولا بالمجاملات السياسية، ولا بمنهج “التجريب المستمر”، بل تُبنى بالتخطيط والرؤية والمصارحة واحترام وعي الناس.
المؤلم أن جزءاً من المجتمعات بدأ يعتاد هذا المستوى من الفوضى حتى صار يراه أمراً طبيعياً. والخطر الحقيقي لا يبدأ عندما تنتشر العشوائية، بل عندما يفقد الناس قدرتهم على استنكارها. حينها يصبح العبث أسلوب حكم، وتتحول الأزمات إلى مشهد يومي مألوف.
إن الحاجة اليوم ليست فقط إلى إصلاح سياسي، بل إلى إعادة بناء الوعي نفسه؛ وعي يؤمن بأن السياسة مسؤولية لا استعراض، وأن الدولة مشروع مؤسسات لا مشروع أفراد، وأن احترام عقل الناس هو الخطوة الأولى لإنقاذ أي وطن من السقوط في مستنقع الفوضى واللاعقلانية.
فالأمم لا تنهار دفعة واحدة، بل تنهار حين يتحول اللامنطق إلى ثقافة، والعشوائية إلى منهج، والشعبوية إلى بديل عن الحقيقة. وحين تصبح الفوضى أمراً مألوفاً، يبدأ الانهيار الحقيقي بصمت.


+ There are no comments
Add yours