نمتار / عماد آل جلال
حكى ليّ الصديق العزيز المغترب سعدون الجنابي ” مؤلف كتاب رحلة في ذاكرة شارع الرشيد” بأنه فوجئ بأن محرك «غوغل» عرض معلومات عن كتابه مقرونة باسم «يعقوب الجنابي» بدلاً من اسمه الحقيقي. وقد ظهر الخطأ في نتائج البحث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بما يوحي للقارئ أو الباحث بأن مؤلف الكتاب شخص آخر.


ولكي يعالج هذا الإشكال بعث الجنابي برسالة الى ( ميت )
موضحا ما ينبغي معالجته على وجه السرعة، ومن حسن الحظ انه وجد استجابة سريعة منها وصُحح الاسم. واستلم رسالة من (المود) جاء فيها (أعتذر منك بشدة، أستاذ سعدون الجنابي، على هذا الخطأ في ذكر الاسم. الحق معك تماماً، فأنت صاحب هذا المؤلف القيم “رحلة في ذاكرة شارع الرشيد” ويشرفني أن أصحح المعلومة).
قد يبدو الأمر بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة يمس جوهر الملكية الفكرية، وذكرني بنفس الخطأ الذي وقع معي عندما نُشرت صورتي الشخصية باسم الدكتور الياس كوركيس، وما زلت اعاني منه حتى الآن، برغم تبني التصحيح من قبل الفيسبوك وكوكل.
تأسيساً على ذلك نتساءل: ماذا لو انتشر الخطأ رقمياً وأصبح مرجعاً تتناقله المواقع والباحثون والطلبة والبرمجيات الذكية؟
إن الأنظمة الذكية اليوم تعتمد على التلقي والتراكم، فهي تجمع المعلومات من مواقع متعددة، ثم تعيد تركيبها وصياغتها. وإذا تسلل خطأ واحد إلى هذا البناء الرقمي، فقد يعاد إنتاجه عشرات المرات، حتى يتحول بمرور الوقت إلى «حقيقة» مزيفة يصعب تصحيحها
المشكلة لا تتعلق باسم مؤلف فحسب، بل بثقة الناس بالمعلومة الرقمية. فحين يخطئ الذكاء الاصطناعي في اسم كاتب أو عنوان كتاب أو تاريخ حدث، فإن الضرر لا يتوقف عند حدود الإرباك الشخصي، بل يمتد إلى المكتبات الإلكترونية، والدراسات الأكاديمية، ومحركات الفهرسة، وحتى حقوق النشر والتوثيق.
ومن هنا تبرز أهمية اليقظة الرقمية للمؤلفين والكتاب والباحثين. فلم يعد كافياً أن يصدر الكاتب كتابه ورقياً أو إلكترونياً، بل بات من الضروري أن يراجع باستمرار كيف تظهر أعماله في نتائج البحث، وكيف تُعرف سيرته ومؤلفاته في المنصات الرقمية المختلفة
لقد أصبح من واجب الكاتب المعاصر أن يكون حارساً لهويته الرقمية، تماماً كما يحرس نصوصه وأفكاره.
كما ينبغي على المؤسسات الثقافية ودور النشر واتحادات الأدباء أن تدرك أن معركة التوثيق لم تعد ورقية فقط، بل إلكترونية أيضاً. فالإهمال في متابعة البيانات الرقمية قد يسمح بتكرار الأخطاء، أو ضياع الحقوق، أو نسبة الأعمال إلى غير أصحابها.
ومن المؤسف أن بعض المستخدمين يتعاملون مع نتائج الذكاء الاصطناعي بوصفها حقائق نهائية، بينما هي في الواقع مخرجات قابلة للخطأ والتضليل، خاصة إذا استندت إلى بيانات غير دقيقة أو مصادر غير موثقة.
إن حادثة كتاب “رحلة في ذاكرة شارع الرشيد” يجب أن تكون جرس إنذار ثقافياً، لا لصاحب الكتاب وحده، بل لكل كاتب وباحث ومؤلف عربي. فالعصر الرقمي، على الرغم من مزاياه الهائلة، قد يتحول إلى مساحة للفوضى المعرفية إذا لم تراجع المعلومات وتُصحح باستمرار.
والحقيقة أن الخطأ ليس في التقنية وحدها، بل في الثقة المطلقة بها
فالذكاء الاصطناعي أداة مساعدة، لا مرجعاً مقدساً. والإنسان، مهما تقدمت التكنولوجيا، يبقى المسؤول الأول عن التدقيق والتحقق وحماية الحقيقة.


+ There are no comments
Add yours