ضوضاء بيضاء

بحبر/ رئيس التحرير

عنوان هذا المقال  يعود لعنوان رواية للكاتب الأمريكي “دون دليللو”،شاء وأن تحوّلت إلى فيلم سينمائي قام بإخراجه “نووا بومباك”، حيث جاء يحمل رسالة،أو دعوة للمهتمين يحث بها بالعودة إلى قراءة هذا العمل الأدبي الصادر في العام 1984،نظراً لما كان يحمله من عمق رؤية تتعلّق في استشراف ما آلت إليه أوضاع وأحوال المجتمع الأمركي،ثم بقية المجتمعات الحديثة في عالم اليوم،والمراد بضوضاء بيضاء -هنا- وجه الإشارة إلى تقنية تُستخدم من قبل مهندسي الصوت تتناسب مع خلفية المشهد، من أجواء الأمنكة التي لا يجري التركيز عليها، وعادةً ما تتسرّب لكي تشّد الانتباه و التركيز عنوةً،من أجل للتأثير على عقولنا ونفسياتنا، وفي أصل الرواية تعني الضوضاء خلفية المجتمع الاستهلاكي عبر وسائل التسويق “الماركيتنك” ،فضلاً عن الأصوات المزعجة والمصنوعة على شكل أبواب كهربائية تُفتح وتُغلق، بجنب محطّات إذاعية وشاشات صغيرة وكبيرة تبثّ أخبارأً منها صحيحة وغيرها ملفّقة طوال اليوم،ضجيج سيارات  مرعد ومنفر ويثير القلق والخوف،وتوزيع  دعايات تملأ الشوارع والأمكنة تحث على مزيد من الاستهلاك،بطل الفيلم أستاذ جامعي يقيم في بلدة صغيرة مع عائلته المكوّنة من أربعة أولاد توافدوا من رحم أربعة زيجات توالى على الزواج منهن، زوجته الرابعة والأخيرة عاشت مع أولاده حياة هانئة ومرحة ،قوامها الصراحة وتبادل الافكار مع والديهم لدرجة يكونوا فيها ناصحين، مطلعين على الكثير من مواضع الحياة تحت ذريعة امتلاكهم لكمية ما يشتروه من مواد عبر إدمانهم على ارتياد السوبرماركتات، معبأة بأكياس توحي لهم بسبب أوزانها وحجومها، بما يوحي بالامتلاء وحقيقة ما تمنحهم إياه من شعور بالاكتمال والعيش الرغيد والأمان والراحة، في إشارة لما تلعبه غرائز ومُتع الشراء في جعل الإنسان يتوهم و يتجاهل كل ما لا يحتاجه في أحيانَ كثيرة، ومع تتابع الأحداث ثمة كارثةٌ على وشك أن تتهيّأ للوقوع حتى تقلّب كل حالات التوازن وتوابع هذا النظام الهش، مما تؤدي لظهور إشارات قلق عميق ومخاوف ورعب بسبب غيمة سوداء سامّة تشكّلت على إثر اصطدام شاحنة بقطار محمّل بنفايات مواد إشعاعية، هددّت سكان تلك البلدة وأجبرتهم على إخلاء بيوتهم واللجوء إلى أمكنة خاصة ومعدّة لاستقبالهم،هنا تواجه الزوجة جملة مخاوف وكوابيس مفزعة، ألزمتها الدخول اضطراراً وسراً في برنامج طبيّ غامض، يُجبر على تناول دواء لم يزل تحت التجربة، كونه يُسهم  بالقضاء على الجزء المسؤول عن إنتاج الخوف في دماغ الإنسان، كذلك الزوج أضحى يعاني من يقظة كوابيس مرعبة تسبب له حالات اختناق – خاصة في الليل ، فيما الأولاد يبقون مصرين، ومضطربين على طرح أسئلة ليس لها من إجابات حاسمة،تفاقمت حالات الموت عبر ظهور تلك الغيمة السوداء،  لتُهدّد الجميع، ولا يمكننا التنبؤ بتشكلها أو بخطوط مساراتها، لذا تمّ اختراع وترويج الضوضاء البيضاء كي تنسي الناس – وهماً – حالات الذعر وحالات الخوف من الفناء، فيما أضحى هذا النوع الوهمي من الضوضاء من سمات المجتمع الأميركي،ولعلنا والعالم أجمع أصبحنا ضحايا لمثل هذه الحالات، ومن هنا – ربما- جاء عمودي هو الأخر ،مرتبكا بعض الشيء ههههههههههه ،وغير متماسك كما يجب،جرّاء شعوري بوشوشة وبشاعة هذه الضوضاء..!

ح.ع.الحميد

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours