إخفاق الإطار التنسيقي وأزمة النظام السياسي في العراق

نمتار / د. عبد الوهاب العاني

في المشهد السياسي العراقي، لم يعد الخلاف مؤشراً على حيوية ديمقراطية، كما لم يعد الاتفاق دليلاً على نضج سياسي. بل تحوّل كلاهما إلى أدوات تُدار ضمن لعبة معقدة، عنوانها الأبرز: الحفاظ على موازين القوى لا بناء الدولة.

الإشكالية اليوم لا تختصر في أداء “الإطار التنسيقي” بصفته القوة الحاكمة، بقدر ما تمتد إلى عمق النظام السياسي الذي أُسّس على التوافقات الهشة، لا على المبادئ الراسخة. نظامٌ اعتاد إنتاج الأزمات أكثر مما اعتاد حلّها، حتى باتت الأزمات جزءاً من بنيته، لا استثناءً طارئاً عليه.

إن ما نشهده ليس مجرد اختلافات سياسية طبيعية، بل نمط متكرر من إدارة الخلافات بطريقة تضمن بقاء الوضع على ما هو عليه. تتصاعد التصريحات، تتباين المواقف، وتُعرض الخلافات أمام الرأي العام، لكن في العمق، تستمر التفاهمات التي تُعيد توزيع النفوذ وتُبقي منظومة المصالح قائمة دون تغيير جوهري.

وهنا تكمن المفارقة: قوى سياسية تبدو مختلفة في خطابها، لكنها متفقة في نتائجها. لا إصلاح حقيقياً يُنجز، ولا محاسبة تُفعل، ولا مساراً واضحاً نحو بناء دولة مؤسسات. وكأن الاختلاف أصبح غطاءً لإدامة الاتفاق، لا وسيلة لتصحيحه.

أزمة العراق اليوم هي، في جوهرها، أزمة إرادة سياسية قبل أن تكون أزمة نصوص أو هياكل. فالدساتير تُكتب لتُطبق، والأنظمة تُبنى لتُخدم شعوبها، لا لتُدار كمساحات لتقاسم السلطة.

إن الخروج من هذه الدائرة المغلقة يتطلب تحولاً جذرياً في مفهوم العمل السياسي: أن يتحول “الاتفاق” من تقاسم للمغانم إلى شراكة في بناء الدولة، وأن يصبح “الاختلاف” تنافساً حقيقياً في خدمة المواطن، لا صراعاً على حسابه.

وحتى يتحقق ذلك، سيبقى المواطن العراقي هو الخاسر الأكبر، يدفع ثمن توافقاتهم حين يتفقون، وثمن خلافاتهم حين يختلفون.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours