إيفين .. حفرٌ في الذاكرة”، مرثية جيل مطارد

نمتار / مزهر بن مدلول

قرأت كتاب “إيفين .. حفرٌ في الذاكرة” للكاتب والاعلامي جورج منصور، الصادر عام 2023 عن داري الرواق وأهوار للنشر والتوزيع في بغداد، بمقدمة للكاتب والروائي زهير الجزائري، فوجدت نفسي امام شهادة موجعة عن سحق الانسان تحت وطأة الظلم، رحلة تأخذ القارئ تدريجيا الى قاع الجحيم، حيث يفقد المرء اي امل بالنجاة.

لم يكن سجن إيفين (تأسس عام 1972 بادارة جهاز السافاك لاحتجاز أصحاب الرأي ومعارضي نظام الشاه)، مجرد بناية اسمنتية عند خاصرة جبل توجال في منطقة سعادت آباد شمالي طهران، بل كـ(هوّة) سوداء تُلقى فيها الارواح لتذبل ببطء، وقد ارتبط اسمه في الذاكرة السياسية الايرانية بموجات الاعتقال الواسعة، خصوصا في فترتي ما قبل الثورة وبعدها، حتى غدا رمزا لأحد اكثر مراكز الاعتقال إلتصاقا بالقمع والتعذيب الوحشي والتصفية الجسدية. هناك لا يُعذب الجسد وحده، بل تُسحق الكرامة تحت ثقل الخوف والعتمة والاستجواب، حتى يشعر الانسان انه يتحول يوما بعد اخر الى كائن بلا ملامح ولا ذاكرة.

بينما كنت اقرأ، تخيلت ذلك السجن بابوابه الحديدية الثقيلة التي لا تُفتح لاستقبال البشر، بل لابتلاعهم. الممرات الطويلة الرطبة، الجدران العارية، الرائحة المختلطة بين العفن والخوف والدم، كلها كانت تمنح الاحساس بان الداخل الى هذا المكان لا يخرج منه كما كان ابدا.

ما ارعبني في الكتاب لم يكن التعذيب وحده، بل فكرة الاستنطاق نفسها. تلك اللحظات التي يُسحب فيها السجين من عزلته الى غرفة التحقيق، وهو لا يعرف ان كان سيعود الى زنزانته أم سيختفي الى الابد. تخيلت وقع الاحذية العسكرية في الممرات، والعصابة السوداء على العينين، واليد المرتجفة وهي تتحسس الجدار كي لا يسقط الجسد من فرط ما اعتراه من وهن. في إيفين، لا يبحث الجلاد عن الحقيقة، بل عن اللحظة التي ينكسر فيها المتهم ويتحول الى خصم لنفسه.

لا يكتفي جورج منصور بسرد تجربته الفردية، بل يسلط الضوء على مسار جيل كامل من الشيوعيين والانصار الذين حملوا احلام العدالة الى جبال كردستان، قبل ان يجدوا انفسهم مطاردين بين الحدود والمنافي، وكأن العالم بأسره قد تحول الى زنزانة واسعة.

وصف الكاتب للعتمة النفسية داخل السجن، ترك أثرا قاسيا في داخلي. هناك يبدأ الانسان بالتآكل من الداخل، الليل بلا نهاية، والصمت اخطر من الصراخ. تخيلت نفسي في زنزانة ضيقة اعد قطرات الماء المتساقطة من السقف كي لا افقد عقلي، احدق طويلا في الجدار، حتى يتحول الى مرآة لوجوه احبتي. داخل السجن، لا يكون الخوف من الموت هو الاشد، بل من حياة تمضي وسط القسوة.

بدت لحظات الانتظار هي الاصعب على الاطلاق: انتظار فتح الباب، انتظار التحقيق، انتظار الصرخة القادمة من غرفة مجاورة، انتظار سماع اسمك يُنادى. هناك يتحول الزمن الى وحش ثقيل، والدقائق الى سكاكين بطيئة، حتى الجسد يغدو غريبا عن صاحبه، ترتجف اليد بلا سبب، ويصبح القلب كعصفور مذعور لا يتوقف عن الارتطام بالقفص !.

وسط الزنزانة الخالية من النوافذ، يطلّ الحلم كشيء وحيد عجز السجّان عن مصادرته، فيغدو غذاءً روحيا يتشبث به جورج منصور كي لا ينهار. في إيفين، لا يملك السجين سوى فتات الأمل، وحين تُنتزع منه الحرية، ويُحاصر بالجدران والصمت والاصفاد، يصبح الحلم فعل مقاومة داخلية، صامتة وصلبة في آن. لهذا شعرت ان الكاتب / السجين، لم يكن يتمسك بالحلم لانه واثق من النجاة، بل لانه يخشى ان يفقد انسانيته، فالذكريات الصغيرة: وجه الأم، ابتسامة الحبيبة، رائحة البيت، جبال كردستان، وأصوات الرفاق، كأنها نار خافتة يحاول السجين حمايتها وسط عاصفة البرد. الحلم داخل السجن لا يمنح السجين السعادة، بل يمنحه سببا اضافيا للاستمرار يوما آخر.

عمق الألم في كتاب “إيفين .. حفرٌ في الذاكرة” ينبع من الصدق العاري لمنصور، الذي كتب دون ادعاء البطولة، بل كانسان واجه قلقه وخوفه وارتباكه، فغدت التجربة مؤلمة، تُعرض فيها الصورة بعيدا عن القوالب المثالية للبطولة.

ستبقى المشاهد في كتاب “إيفين .. حفرٌ في الذاكرة” حاضرة كأثر لا يبهت بسهولة، يرافق القارئ حتى بعد انتهاء القراءة، لأنها تلامس جوهر المعاناة الانسانية في لحظاتها الأكثر قسوة، وتترك بصمتها في الاحساس قبل الوعي.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours