نمتار / د. ناصر زيدان
في العتمةِ السياسيةِ القاتمة؛ تصدحُ آهات الأنيِّن، وبدأ ينبت العشب الأخضر فوق قبور الضحايا، والسكينة تبكي بصمت تحت الهدير الفاجر للطائرات القاتلة، وفوق ويلات الدمار، بينما العذاب يملأ الأرض، ويشتاق العقل الى الذين ابتعدوا عنه وغدروا به، وتركوا الحِكمةَ تصرخُ في المدى بحثاً عن مُستجيبين من بين الضَّالين الذين يركضون في سباق ليلٍ كالح. والمتسابقون ابتعدوا على ظهورِ الخيلِ كي لا يراهم أحد، فلا هم يحبون الكلام، ولا الكلام يأنس للظلام. وعصفورة الشجن باقيةٌ ترتجفُ بين الأغصان، موهولةٌ على ذاتها، وموهولةٌ على من أحبت من عشاق الأرض والزمان.
تقبَّلنا بإرادتنا أن نكون شعبٌ واحد، ففُرِض علينا مصيرٌ واحد. لا بأس؛ لن نيأس، ولن نستسلم، ولن نتراجع، ولن نجاري المُتعطشين للدماء وسط حلقة النار، ومن بين الركام نناديكم: علوا البيارق علوها، ضووا الشوارع ضووها، فلبيارق لا ترتاح مخفوقةً الى تحت، ومأساة شوارعنا التي تحيا نصيبها من “مآسيكم” لا تعيش على العتمةِ إذا ما ابتعد بهيقُ الفجر وطال.
أيها القادمون من بين بساتين الخير المنكوبة، ومن على جوانب كروم الزيتون ومشاتل الدخان: تعالوا نبحث عن الحياة في الزنازين المُنيرة، وفي الأزقة المخنوقة، نحطِّم أبواب الزنازين، ونرجم خوف الأزقة بحجارة العمارات المُدمَّرة. وهذه وتلك تحتاج للتفاهم، وتحتاج لنتحدث مع بعضنا البعض، لماذا نبخل على بعضنا بالكلام المباشر، ونفيض تغريداً بالحوارات الافتراضية التي غالباً ما تكونُ لعينة، ولغة التخوين تشوِّه ما تبقى في ذاكرتنا من نوستالجيا جميلة، وبهذه الشكوك تكون اسرائيل قد نجحت بتدمير ما لم تطاله صواريخها. تعالىَ يا أخي وشريكي في الوطن الى لقاء، لا تخافُ مني، أنا لست عدواً، تحدث معي، فمن تمتمات صوتك أو صدوحه أراك، ففي البدء كانت الكلمة.
تتفلَّت إسرائيل من كل قيد، وهي بالأساس ليست مبنية على حق، ولا فيها وجهُ حق، ولا تحترم القيم، وبعض مَن يقودها يُمجِّدُ القتل استناداً الى كلمات “أسفارٍ” غريبة وليست ككلمات الأسفار، وهي غير موجودة بواقع الحال، فلا يهوا همسَ لإبراهيم شراً، وهو لا يفعلُ ذلك، ولا رب العالمين يأمر بالشر، فجميع أبنائه سواسية، خلقهم أحراراً، وأعطاهم الأرض أجمعين ليرأفوا ببعضهم بعضاً، وليتعايشوا أُمماً وقبائل ومكونات، وليس لأحدٍ تفضيلٌ على أحد؛ إلا بالتقوى والعطاء والمعرفة والإيمان. فكيف لربِ الحكمةِ والخير والمحبة أن يأمر بالتمييز بين أبنائه وأفراد الرعية؟
العدو من فوقنا وفي جنوب الجنوب، والبحرُ الى الغربِ – او الى اليسار إبان رحلة النزوح الى الشمال، والى اليمين خلال مسيرة العودة – هائجٌ مائج، أما الشرق فما زال مُنهكاً بالكهوف والأنفاق، وبالسجون والشجون والحيرة، وليس لنا إلا لبنان والإيمان. الناس يا أخوتي تناديكم، وتشدُّ على اياديكم، وهي بالفعل تفديكم – رحم الله أحمد قعبور وتوفيق زياد– لكن مسيرة العذاب طالت، والصبرُ ينفذ شيءً فشيءً؛ قولوا كلمة من تحت الويلات، علَّها تُجنبنا المزيد. والمتوحشون بطائراتهم ومُسيَّراتهم القاتلة، قد يخشون وحدتنا أكثر مما يخشون ما تبقى من مقذوفاتٍ وصواريخ. فوضوا الدولة بشأن المصير جهاراً، فنهديكم ضيا العينيين، ودفئ القلب نعطيكم.
التسوية الخاسرة؛ مُشرفة إذا كانت من أجل حفظ الدمعة وحجب الدماء، وهي أخفُّ وطأةً من هوان الاستمرار في منازلةٍ غير متكافئة مع عدوٍ مُتغطرس لا يأبه للحق، وثقافة الموت مُميته، وعمليات القتل؛ جرائم، ولا يُقرَّها رب العالمين. فالدماء تجرُّ الدماء “والقملُ يجرُّ السيبان” تعالوا نبحث عن مشتركاتٍ تقارعُ الغاصبين، وتحفظ الكرامة والبنيان. ربطُ لبنان بمنازعات الآخرين مقاربة ليست سويّة “وإذا كان الوطن الغالي عسل سياسيٌ طيِّع” لا تستهلكوه عن بكرةِ أبيه والى آخر رمق، ولا تراهنوا دائماً على نبالة الضحايا، فقد تخرجُ أظافرها يوماً من مكامنِ الأصابع، والموت البطيء هو ذاته مثل الموتٌ بالرصاصة او بالإنفجار أو بالكلمات السامة. فلنبحث عن طريقِ حريرٍ لبنانيٍ جديد، علَّ الرب ينجِنا من الشرير ومن هول الدمار ولهبِ الحديد.
12 نيسان- ابريل
-2026-




+ There are no comments
Add yours