د.حسين الانصاري
يندرج مفهوم التفاوض تحت مجموعة من السمات منها ما يتعلق بالتواصل المباشر او عبر وسيط للسعي إلى ايجاد نقاط مشتركة عبر حوار يقود إلى تحقيق مصالح الأطراف المتنازعة وهو المخرج الاستراتيجي لحل القضايا والمنازعات
وفي زمن الحروب تتصاعد الأصوات وتضيق مساحات العقل، غير أن التفاوض يبقى الأداة الأكثر نضجاً لإدارة الأزمات، والمنفذ الذي تنتقل به الأطراف المتنازعة من منطق القوة إلى منطق المصالح المشتركة. فالتفاوض، في جوهره، ليس مجرد لقاء بين خصوم، بل عملية مركبة لعرض الأفكار، ومراجعة الحسابات، وإعادة صياغة موازين القوى بما يحقق الحد الأدنى من الاستقرار. وتزداد أهمية التفاوض حين يجري تحت ظلال الحرب، حيث تتقاطع الحسابات السياسية والعسكرية والاقتصادية والإنسانية في لحظة واحدة، ويصبح القرار أكثر حساسية وتأثيرا على مستقبل الدول والمجتمعات.
التفاوض في سياق النزاعات المسلحة يقوم على مجموعة من الشروط الأساسية، أولها الاعتراف المتبادل بوجود أزمة تستوجب الحل ( القضية التفاوضية) وثانيها استعداد الأطراف لتقديم تنازلات واقعية، وثالثهما وجود وسيط أو إطار دولي يضمن توازن العملية التفاوضية. فالتفاوض لا يمكن أن ينجح إذا دخلته الأطراف بعقلية الانتصار المطلق أو الهزيمة المطلقة، لأن هذه الذهنية تعطل فرص التقارب وتعيد إنتاج أسباب الصراع. ومن هنا، فإن التفاوض الفعال يقوم على إعادة تعريف النصر اي (فائز -فائز ). وليس وفق منظور (فائز -خاسر )ليصبح التفاوض اكثر توجها لتحقيق الاستقرار ومنع التصعيد، لا فرض الإرادة بالقوة.
ومن سمات التفاوض الناجح في زمن الحرب أنه يعتمد على الواقعية السياسية، ويأخذ في الاعتبار المعطيات العسكرية على الأرض دون أن يخضع لها بالكامل. فالطرف الذي يحقق تقدماً ميدانيا قد يسعى إلى تعزيزه سياسياوفرض ارادته عبر التفاوض، بينما يحاول الطرف الآخر تقليص خسائره من خلال ضمانات أمنية أو اقتصادية. كما يتسم التفاوض الناجح بالمرونة، والصبر والقدرة على تقسيم القضايا الخلافية إلى ملفات جزئية قابلة للحل التدريجي، بدلا من التعامل معها كحزمة واحدة يصعب الاتفاق عليها.
تتم المفاوضات عادة عبر مراحل متدرجة تبدأ بالاتصالات غير المباشرة، مروراً بإجراءات بناء الثقة مثل وقف إطلاق النار أو تبادل الأسرى، وصولا إلى المباحثات المباشرة التي تتناول القضايا الجوهرية. وهو ما ألت اليه الحرب الان ،وخلال هذه المراحل، تلعب الضمانات دورا محوريا في تثبيت ما يتم الاتفاق عليه. فقد أثبتت التجارب أن الاتفاقات التي تفتقر إلى آليات مراقبة أو التزام دولي غالبا ما تنهار سريعاً. لذلك يصبح من الضروري إدراج محددات واضحة للالتزام، مثل جداول زمنية للتنفيذ، وآليات رقابة دولية، وعقوبات محددة في حال الإخلال بالاتفاق.
أما من الناحية السياسية، فإن التفاوض يهدف إلى إعادة التوازن في العلاقات بين الأطراف المتصارعة، وفتح قنوات تواصل تمنع الانزلاق إلى مواجهات أوسع. ومن الناحية العسكرية، يسعى إلى تقليل الخسائر وتثبيت خطوط التماس، وربما تحويلها إلى ترتيبات أمنية دائمة. بينما يبرز البعد الاقتصادي بوصفه أحد أقوى دوافع التفاوض، إذ تؤدي الحروب الطويلة إلى ركود الأسواق، وارتفاع معدلات التضخم، وتعطّل النقل و سلاسل الإمداد، الأمر الذي يدفع الأطراف الدولية إلى الضغط نحو حلول تفاوضية. وامام هذا كله يظل البعد الإنساني الأكثر إلحاحا، حيث تتفاقم معاناة المدنيين، وتتزايد أعداد النازحين، وتتضرر البنية التحتية، مما يجعل إنهاء النزاع مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون خيارا سياسيا.
ولكي تنجح المفاوضات، لا بد من اعتماد استراتيجيات مشتركة، أبرزها تغليب المصالح طويلة الأمد على المكاسب التكتيكية، والابتعاد عن الخطاب التصعيدي، والعمل على بناء الثقة التدريجية بين الأطراف. كما يتطلب النجاح إشراك الأطراف الدولية المؤثرة في توفير الضمانات، إضافة إلى مراعاة مصالح الدول المتأثرة بالحرب، لأن النزاعات المعاصرة لم تعد محصورة بحدود جغرافية محددة، بل تنعكس آثارها على الاقتصاد العالمي والأمن الإقليمي ايضا وهو ما نراه اليوم في مناطق الصراع الجاري بين الولايات المتحدة واسرائيل وبين ايران وحلفائها وما نجم عن ذلك خلال الأسابيع الماضية من عنف ودمار وخسائر مادية وبشرية وبروز حالة الركود والتضخم التي يشهدها العالم، امام هذا الواقع يصبح التفاوض ضرورة لا خيارا. فالحروب، مهما بدت فيها لحظات تفوق، تنتهي غالبا بلا رابح حقيقي، لأن الخسائر تمتد إلى الجميع. ومن هنا، فإن التفاوض الشامل والإنساني، القائم على الشفافية والضمانات والالتزام المتبادل، يمثل الطريق الأكثر عقلانية للخروج من دوامة الصراع.
إن التفاوض تحت ظلال الحرب ليس مجرد محاولة لوقف إطلاق النار، بل فرصة لإعادة التفكير في منظومة الأمن والاستقرار، وبناء تفاهمات جديدة تحول دون تكرار المأساة. وعندما تدرك الأطراف أن الاستقرار المشترك هو النصر الحقيقي، يصبح التفاوض بداية طريق نحو سلام مستدام، يحقق مصالح الدول وتحفظ كرامة الشعوب.




+ There are no comments
Add yours