الأسباب المُعلنة للحرب تُحاصر نهاياتها

نمتار / د. ناصر زيدان

ربما تكون الحرب الدائرة قد وصلت الى مكانٍ لم يتوقع أطرافها الوصول اليه، ومنسوب اضرارها ارتفع الى حدود كبيرة جداً، وتداعياتها فاقت كُل تصوّر. والذين بدأوا بضرب ايران ومنشآتها الحيوية، أصبحوا أسرى اعلاناتهم السابقة، او التي رافقت أيامها الأولى، ولم يعُد بإمكانهم توقيفها من دون تحقيق أهدافهم، او نصف هذه الأهداف على أقل تقدير، بينما ايران التي تعاطت بترفٍ مُبين إبان مفاوضات مسقط وجنيف؛ أدركت هول الكارثة، وقد خانتها ميكيافيليتها المُتقدمة هذه المرة، ولم تُبرِّر الغاية المرجوة عدم تناسُب الوسيلة المستخدمة، وهي دفعت فاتورة غالية جداً حتى الآن من دون معرفة مآلات الحرب ونهاياتها الميدانية والسياسية، حيث أرقام الفاتورة مُرشحة للإرتفاع  أكثر بعد.

الأهداف المُعلنة للحرب من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب؛ كانت في ضرورة تحرير الإيرانيين من نظام ارتكب جرائم وموبقات عديدة، ومن ثُمَّ تدمير البرنامج النووي الذي كان قاب قوسين أو أدنى ليتحوَّل الى كابوس عسكري ودفاعي، وتوقيف مسار صناعة الصواريخ الباليستية الآخذ بالتطور. أما اسرائيل الشريك الثاني في الحرب على ايران؛ فيهمها تقويض القوة العسكرية الإيرانية الواعدة، خصوصاً منها الصاروخية والمشروع النووي غير السلمي، ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو مهتم بتحقيق انتصار على منافس استراتيجي مهم في المنطقة، لفتح الطريق أمام مشاريعه الإنفلاشية الخطيرة، وهو سيستفيد من الانتصار في حملته الانتخابية خلال الأشهر القادمة من هذه السنة، وربما كان يتربَّص شراً بلبنان، وبما تبقى من سلاح لدى حزب الله، وهو أُُعطيَ الذريعة الدامغة لتنفيذ عدوانه بعد إطلاق الصواريخ من الجنوب على إسرائيل في اليوم الثاني من الحرب.

فشلت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في كسب عطف الرأي العام العالمي، ولقيت فعلتهم العدوانية ادانة من الأخصام التقليديين في الصين وروسيا، وعدم تعاون من الحلفاء في الناتو وفي اليابان وكوريا الجنوبية، كما أخفقوا حتى الآن في تقويض النظام القائم في طهران، برغم نجاحهم في اغتيال أبرز قياداته، وفي المقدمة المرشد الأعلى السيد علي خامنئي. وتكاد تكون المرة الأولى في تاريخ التدخلات العسكرية الخارجية الأميركية؛ تبدو واشنطن وحيدة في ميدان المعركة، رغم طلباتها المتكررة من الحلفاء لتقديم العوُن لها. ولهذه الوضعية الأميركية غير المُريحة أسباب وجيهة، قد يكون أبرزها تجاهل إدارة الرئيس ترامب للحلفاء في “الأطلسي” وعدم التنسيق معهم قبل شنّ الحرب على ايران، وهؤلاء من حقهم أن يكونوا على اطلاع بكل حيثيات الحرب وأهدافها، ولا يجوز أن تكون مهمتهم محصورة في المشاركة بحماية ناقلات النفط والغاز في مضيق هرمز الذي أُقفل بسبب التهديدات الإيرانية.

يمكن التسليم بصوابية بعض التحليلات التي تقول أن ايران لم تُساعد في تجنُّب وقوع الحرب، واللغة التهديدية القاسية التي استخدمها المرشد الراحل وفريقه؛ لم تكُن متناسبة مع حساسية الوضع، بمعنى أنها تفتقر الى دبلوماسية حافَّة الهاوية، أو أنها لم تراعِ خطورة الموقف، وكان بإمكان طهران تقديم بعض التنازلات التي تحوُّل دون وقوع الكارثة. لكن ايران لا تتحمَّل مسؤولية اندلاع هذه الحرب. وخرق القانون الدولي العام وإطلاق حرب لا تتمتع بمشروعية، او أنها لم تحصل على اجماع دولي؛ تتحمَّله الإدارة الأميركية وإسرائيل، والخشونة التفاوضية الإيرانية؛ لا تُبرِّر الدخول في مثل هذه الحرب على الاطلاق. وهذه المقاربة يتبناها حلفاء كثيرين لواشنطن، ويقولها أخصامها أيضاً. وواشنطن تجاهلت مجلس الأمن الدولي وغالبية القوى الفاعلة في العالم، حيث كان يمكن تحقيق خرق يوقف طموحات ايران النووية، ويمنعها من استكمال تطوير صواريخها الباليستية المتطورة، ويحاصر قدرتها على إمداد حلفائها أو “الأذرع” بالمال والسلاح؛ بالوسائل القانونية والدبلوماسية.

من المؤكد وجود أهداف استراتيجية لواشنطن ولتل أبيب غير مُعلنة يطمحون لتحقيقها من وراء هذه الحرب الضروس، ولعلَّى أبرزها تثبيت هيمنة مطلقة على المنطقة العربية، بما تمثله من مكانة استراتيجية في الجغرافيا، وفي مخزونات الطاقة، والهيمنة الأحادية عليها؛ يعني تهديد أمن جنوب أوروبا، ومحاصرة لطريق الحرير الصيني، إضافة الى تحقيق طموحات دينية مُعلنة، ولو كانت هذه الطموحات تستند الى أوهام ميثولوجية واهية.

مطلقي الحرب كما المستهدفين منها أصبحوا أسرى شعاراتهم التي سبقت بدء العلميات العسكرية.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours