نمتار / حازم كمال الدين
حاليا في المطبعة، عن منشورات بوكتينو Booktino ترجمتي لرواية “عمري 83 سنة وربع!” من تأليف الروائي الهولندي “هندريك خرون” من 450 صفحة

قامت وزارة الثقافة الهولندية بتعضيد ترجمة الرواية، وللتفرّغ للعمل تفضّلتْ باستضافتي لمدة شهر في بيت الترجمة الهولندي في أمستردام، كما استضافتني الوزارة الفلامانية البلجيكية Literatuur Vlaanderen لأسبوعين في بيت الترجمة في أنتوربن لنفس الغرض.
…
داخل مأوى لرعاية كبار السن في أمستردام ينتظر هندريك خرون البالغ من العمر ثلاثة وثمانين سنة وربع(!) دوره في الموت. ذات لحظة يقرّر تدوين وقائع أيامه لعام كامل. نبرةٌ بسيطة، وسخريةٌ تتأمّل التقدّم في العمر وتراقب تراجع الجسد.. يوميات روائية تلقي ضوءا على علاقة الإنسان بالمؤسسة عند بلوغه هذا السن.
في ذلك المأوى روتينٌ حديدي هو مسار الأيام، قواعد صماء، تدهورٌ صحي.. وخوفٌ من الموت مدسوس في طيّات البدن الآيل للمغادرة.
للإفلات من ركودٍ كذاك، وللتمرّد على احتضار يتغلغل بطيئا يشعل عدد من نزلاء المأوى شرارة يطلقون عليها اسم: نادي “شيوخ على قيد الحياة”. ثمانية عجائز لا يهدفون إلا إلى شيء بسيط: أن يكون الواحد منهم حيًّا قبل أن تنتهي حياته.
طريق الشرارة واضح: تقويض العزلة، واستعادة لذّة الحياة في لحظة الأفول. وترجمة الطريق هي رحلات للمجموعة تشبه السفرات المدرسية أيام الطفولة تتخللها أحيانا خروقات لقوانين مؤسسة الرعاية التي تديرها شخصية صارمة اسمها السيدة ستِلْ-واخِن.
في المأوى متعدد الطوابق ثمة جسد يخون صاحبه تدريجيًا، وثمة مؤسسة “إنسانية” نظامها بيروقراطي شبيه بحبل مشنقة، وثمة أصدقاء يُغادرون تباعا (موت، آلزهايمر، بتر سيقان…)، وثمة أخيرا استقلالية تتآكل حتى يحلّ محلّها الارتهان والخضوع التام.
هذه الرواية لا تضاعف ميلودراما ولا تستجدي شفقة. إنها تختط طريقا إلى سخرية قاسية الجفاف وابتسارا خاليا من الشروح. ويوميات هندريك خرون الروائية لا تعلّق على المواقف الكوميدية أو التراجيكوميدية أو التراجيدية هناك قدر ما تضع الحدث أمامك وتمضي قدما كأنها معلّقةٌ تلفزيونية مضطرة للانتقال من خبر في نشرة إخبارية إلى آخر.
في لجّة كوميديا مدوزنة يُحاصَر القارئُ بأسئلة من قبيل: ما قيمة حياة لا تعني سوى الانتظار؟ هل كرامة الإنسان ممكنة إبان الشيخوخة؟ هل الكرامة محط مساومة لحظة خيانة الجسد؟
أسئلة لا نتوقف عندها عادة قبل بلوغ ذلك العمر؛ فتخيّل العزلة من داخل ذلك العمر عسير.
ومع ذلك، أو رغم ذلك، أنت أمام نص يلامس تخفيف وطأة النهاية أكثر مما يلامس الشيخوخة… أنت أمام نص يثير السؤال: كيف يمكن للإنسان أن يحتفظ بقدر من الحرية، من الصداقة، من اللذة وهو في أقصى حالات الوهن؟
هذا نص يقف على تخوم جنسين أدبيين؛ الرواية واليوميات، ويسير على طرفي التوثيق والتخييل (وثائقي/روائي)، ولا يُقدّم أبطالا قدر ما يلتقط مقطعا اجتماعيا عرضيا مشحونا بسخريات سوداء وتأملات خافتة. كما أنه نص لا يقدّم الشيخوخة كخاتمة، إنما كخط نار في جبهة أمامية اسمها الإباء
عمري 83 سنة وربع!
العنوان الأصلي: في محاولة لإضفاء معنىً على الحياة
تأليف: هندريك خرون
ترجمة: حازم كمال الدين
مراجعة أدبية: سوزان المحمود



+ There are no comments
Add yours