بديع الكلام..الانتماء… حين يصبح الوطن مسؤولية لا مجرد إقامة

نمتار/حنان بديع- الدوحة

 

في زمن تتسارع فيه الهجرة وتتداخل فيه الثقافات، لم يعد مفهوم الوطن مرتبطًا فقط بمكان الميلاد، بل اتسع ليشمل كل أرض نعيش فيها وننتمي إلى تفاصيلها اليومية. فالانتماء للوطن الذي نقيم فيه ليس خيارًا عاطفيًا عابرًا، بل ضرورة إنسانية وأخلاقية تعكس وعينا بذواتنا ودورنا في المجتمع.

الانتماء لا يعني التخلي عن الجذور، بل يعني احترام المكان الذي يحتضننا، والعمل بإخلاص تحت سمائه، والمساهمة في ازدهاره كما نرغب بازدهار أوطاننا الأصلية. هو شعور يتجسد في الالتزام بالقوانين، وصون الممتلكات العامة، والمشاركة الفاعلة في المبادرات المجتمعية، ودعم كل ما يعزز الأمن والاستقرار.

لقد قدمت دول كثيرة نماذج ملهمة في تعزيز مفهوم الانتماء بين مواطنيها والمقيمين على أرضها. ففي قطر، على سبيل المثال، يتعايش أكثر من مئتي جنسية في نسيج اجتماعي واحد، يجمعهم الاحترام المتبادل والعمل المشترك من أجل التنمية. هذا التنوع لا ينجح إلا حين يتحول الإقامة إلى شراكة، والعمل إلى رسالة، والوجود إلى مسؤولية.

الانتماء يمنح الإنسان شعورًا بالأمان والكرامة. فحين يشعر الفرد أنه جزء من المكان، يصبح أكثر حرصًا عليه، وأكثر التزامًا تجاهه. أما غياب الانتماء فيخلق فجوة نفسية واجتماعية، قد تؤدي إلى اللامبالاة أو الانعزال، وهما نقيضان لروح المجتمعات المتحضرة.

كما أن الانتماء يعزز صورة الفرد نفسه؛ فهو يعكس أخلاقه وقيمه، ويؤكد أنه عنصر إيجابي لا عابر سبيل. فالوطن الذي نقيم فيه يمنحنا فرص العمل، والتعليم، والأمن، والخدمات، ومن الوفاء أن نرد الجميل بالعمل الصادق والسلوك الحضاري.

في النهاية، الوطن ليس مجرد جغرافيا، بل علاقة متبادلة. يعطي بقدر ما نمنحه من إخلاص، ويزدهر بقدر ما نزرع فيه من قيم. والانتماء الصادق هو الجسر الذي يحول الإقامة إلى مشاركة، والعيش إلى رسالة، والحضور إلى أثر باقٍ.

لا يُقاس الانتماء الحقيقي في أوقات الرخاء وحدها، بل يتجلّى بأوضح صوره حين تهتزّ الأوطان تحت وطأة الخوف، وتختبرها الحروب والأزمات. عندها فقط ندرك أن الوطن الذي نقيم فيه لم يكن مجرد مساحة نعيش فوقها، بل كيانًا سكن فينا دون أن نشعر.

في لحظات الحرب، يتبدّل الإحساس بالمكان. الشوارع التي اعتدناها تصبح أكثر قربًا، والأمان الذي كنا نعتبره أمرًا بديهيًا يتحول إلى نعمة ندرك قيمتها. هنا يتعمق شعور الانتماء، ويخرج من إطار القوانين والواجبات إلى مساحة وجدانية خالصة: القلق على الوطن، الخوف عليه، والدعاء له بالسلامة.

الانتماء في زمن الحرب لا يرتبط بالجنسية فقط، بل بالمشاركة الشعورية والإنسانية. أن نحزن حين يحزن الوطن، أن نتماسك حين يتعرض للتهديد، وأن نلتزم أكثر بالقيم التي تحفظ استقراره. في مثل هذه الظروف، يصبح احترام النظام، وتماسك المجتمع، ونبذ الشائعات، أشكالًا صادقة من الوطنية.

لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي يترسخ فيها الانتماء، قادرة على الصمود مهما اشتدت الأزمات. ففي دول احتضنت المقيمين ووفّرت لهم الأمان والاستقرار، مثل قطر، يتحول هذا الاحتضان في أوقات التوتر الإقليمي أو الحروب إلى شعور متبادل بالمسؤولية، حيث يشعر المقيم أن أمن هذا الوطن من أمنه الشخصي، وأن استقراره جزء من استقرار حياته ومستقبل أسرته.

الحرب تجرّد المشاعر من الزيف، وتكشف معدن الإنسان الحقيقي. فإما أن يكون الانتماء موقفًا واضحًا، أو يصبح الغياب العاطفي علامة على علاقة هشة بالمكان. الانتماء الصادق يظهر في التضامن، في الالتزام، وفي الإحساس العميق بأن حماية الوطن ليست مهمة جهة واحدة، بل مسؤولية كل من يعيش على أرضه.

في النهاية، حين تمرّ الأوطان بالحرب، لا تسألنا عن أوراقنا الثبوتية، بل عن موقفنا الإنساني. والانتماء، في أقسى لحظاته، هو أن نقف مع الوطن الذي نقيم فيه، لا لأننا مطالبون بذلك، بل لأن قلوبنا اختارته وطنًا ثانيًا، وربما أولًا في لحظة الخطر.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours