صوت فيروز.. أو.. أغاني الآلهة أعظم من الآلهة

 

نمتار / شوقي عبد الأمير

في الكوكب الأرضي إذا كانت اللغات هي القارات، فإن البحار والمحيطات ستكون الصوت..

هناك صوت محيطيّ نعرفه عندما يبدأ، لكنه سرعان ما يمتد …يتناهى فينا فلا ندرك إذ ذاك حدوده لنظل نبحث عنها في أعماقنا…هكذا نصغي لها فهي عندما تبدأ الغناء تكون كمن يحفر مجرى سرّياً بينها وبين المستمع ليظلا معا في شرنقة الإصغاء جنينين ولدا لحظة اندلاع الأغنية، لا زمان ولا مكان لهذا الوليد الذي لا يُرى منه سوى حبله السري… صوت فيروز…

والأصوات مثل الأنهار بعضها ينبع في الجبال وآخر من البحيرات وثالث في الغابات والبراري، لكن هناك صوتاً ينبعُ بالتأكيد من الجبال… ولهذا، فهو يقودنا إلى الأعالي يرتقي بنا فوق السطوح الخفيضة …لا تليق به السراديب والخنادق والمخابئ… صوت لا يعرف الانكسار ولا الهدم ولا الإحباط، صوت يرمم يبلسم يمسح عرق الجباه، ويجفف الدموع…صوت فيروز..

أحياناً يمسك بك صوتٌ من يديك، يستجوبك في حوار عمودي يخترق سطح الحاضر، يسحبك بعيدا عن انشغالاتك اليومية وعن مطبات العمل والهموم التي تتراكم على غفلة، دون أن تشعر بحجمها وثقلها، إلا بعد أن تختص بصيحة تنفض عنك غبارا تراكم طويل، دون أن تشعر به… هكذا يمكن أن تستحم نهاراتنا بالصوت، صوت فيروز…

أمام بعض الأصوات نغمض أعيننا لنصغي لها بشكل أفضل… لماذا؟

ذلك عندما يأتلق الصوت مثل كوكب يعوم في مدار الكائن؛ ولهذا عندما تكون أعيننا مفتوحة، فإننا نشهد أمامنا أطراف الكوكب الذي نعيش عليه وهنا قد يحصل اختلاط، تداخل، تشابك وأحياناً ارتطام لذا نفضل ألا نرى إلا الصوت الذي تجلى ككوكب…ليكون هو المكان الذي نعيش فيه، ولو لدقائق… هكذا يتجسد صوت فيروز…

في فيزياء الصوت يقع الامتداد في الأنا وفيي الزمن كعلامة فارقة وكمؤشر لشكل الحضور وعمقه…

في الأنا، نحن نعلم كما يظهر جليا عند مغني الأوبرا أن للصوت امتدادا إلى أعمق نقطة في توازن الكائن وكأنه الحبل الخفي الذي نتعلق به في فضاء الروح؛ ولهذا فإن امتدادات الأصوات بين الأفراد تتفاوت مع درجات ومديات أعماق الأرواح بين الناس…لكن ثمة صوتاً ينبع من أعماق يصعب سبرها؛ وبهذا فهو يعكس خبايا روح عظيم…صوت فيروز.

وفي الزمن أيضاً يظهر فارق امتداد الصوت؛ حيث إن هناك أصواتاً تأتي من الحاضر أصوات مضارعةٌ لا ظلال للزمن ولا لصوره وتقلباته فيها … هي أصوات أفقية في الغالب تركض وراء حركة الديمومة… تجرها الأحداث لا العكس…إلا أن أصواتاً أخرى تأتي من أعماق الزمن تجر بحبالها الماضي كعربة قديمة… أصواتاً تخلط الأزمنة، وتموّهُ أشكال حضورها والإحساس بها… تقلب الموازين، تريك الماضي حاضرا والحاضر ماضياً كما يمكنها أن تلعب بالأبعاد، وتربك الجغرافية …كصوت فيروز.

يقولون أيضاً عن صوتها أنه صباحي لا ليلي… لا أدري أنا الذي أصغي لها في كل وقت، لكن ربما ثمة شيء مهم في مثل هذا القول… وهو أن هناك أصوات أقرب إلى الاستيقاظ، إلى الانبعاث وإلى الولادة..

ترى هل هي صيحةُ ولادة لم تجف بعد تتردد أصداؤها على شفتيها، وهي بهذا المعنى تولد من جديد في كل أغنية…نعم سأصدق هذا كلما أصغيت لصوت فيروز.

سمعتها لأول مرة في مراهقتي، وأحببتها وأصغى لها الآن بعد نصف قرن، وما زلت أعشق صوتها لا أدري إن كان ذلك بدرجة أقل أو أكثر من الماضي لكني أستطيع أن أقول إنني اليوم لست ذلك الفتى العشريني وأنا ابن السبعين، إلا أن صوتها يبعث فيَّ نفس الارتعاشة، ويخترق جسدي بذات القشعريرة..

ترى ماذا يحدث؟ هل هو الصوت العابر للزمن، الصوت الذي يعود بالكائن إلى ذاكرته الجنينية، ويمسك بها لا يفارقها أم أنه القادر على تلبس الروح كرداء ميتافيزيقي في كل مكان، وكل زمان..

أجل هو صوت فيروز

يحدث أيضاً أن يقول الصوت كل المعنى أو جذره. وهنا يكون عابرا اللغات كلها، أي يكون الدال والمدلول فلا حاجة للترجمة ولا للشروح أو الإشارات والقرائن اللغوية…. اعرف فرنسيين وأميركان وأوربيين وأفارقة لا يعرفون كلمة في اللغة العربية، لكنهم عندما يسمعون أغانيها يقولون؛ نكاد نفهم المعنى، ولسنا بحاجة إلى ترجمات…هكذا هو صوت فيروز.

كما أن هناك صوتاً منجزاً … تعرف حدوده ودلالاته عندما تسمعه، لكن ثمة آخر يحاول، يقترح أو يضيف لذا من الصعب أن تضع له خارطة ولا أن تدرك أين يصل سوى أن تستسلم له يقودك أعمى بدون عكاز … هو عكازك وهو الطريق … هو صوت فيروز..

صوت يتفجر من نفس الجبال العالية في روحها الشرقي… صوت شرقي بامتياز… لا أعرف مغنية غربية تحمل من الحنين والأحزان والظمأ والنار والشروق كما يحمل صوتها… هو الشرق صادح …نعم هي مغنية شرقية في تونة صوتها، وفي درجة إشراقه ومدارات الحنين التي يطوف ويطوّفنا فيها… نعم إنني أحس ببرودة لحظات الفجر الأولى والتهاب شمس النهار وارتعاشة ليل الوحدة في صوت فيروز…

ليست اللغة هي التي تحد الصوت ولا الحكايات أو القصائد إنما هي قدرته على خلط جغرافية الشرق بماضيه واللهو بحاضره …لا أحد يعلم كيف يتحول الينبوع الدافئ إلى حمم بركانية في صوت فيروز.

لماذا يتفوق الحنين في أغاني فيروز على كل المعاني الأخرى حتى وإن لم يكن في نص الأغنية أية دلالة على الحنين…؟

إنه الماضي … الينبوع الأعمق الذي يتفجر منه الصوت. وهنا بالضرورة سيسحب الصوت سيلا من الإشارات والارتدادات والقرائن ذات العلاقة بزمن انطوى، لكنه لم يختفِ، زمن يظل منتشرا في ظل الحشرجات والتأوهات التي تزدحم بها الأغاني، ولهذا يصير الماضي عنقاء في صوت فيروز..

بين الأغاني والتواشيح العشتارية المقدسة عثروا على رقيم غريب يعود تاريخه الى 2500 ق.م يتطرق للمرة الأولى للأغاني وأهميتها في الحياة في بابل يقول:

“إن أغاني الآلهة

             ” أعظم من الآلهة

منذ ما يقرب على خمسة آلاف عام كانت الأغاني مقدسة بدرجة أنها أعظم من آلهتها التي عُملتْ لأجلها.

نحن اليوم لو أردنا أن ننظر عبر هذه الرؤية البابلية إلى حاضرنا الذي يضج بكل أنواع الغناء والموسيقى لنبحث عن صوت يرقى إلى مثل هذه القداسة، فإننا سنجد بالتأكيد صوت فيروز..

صوتٌ

يمسحُ زُجاجَ النهارِ المعروق

بلُهاثِ الأرواح

وحنين الأجساد المطرودةِ

من الكون.

صوتٌ .. شُجيرةٌ

تطلعُ من تحتِ رمالٍ

أُمنيةٌ تتحقّقُ بالكاد،

بعد فوات.

صوتٌ

يَتردّدُ في الأرجاء

ليملأَ المكانَ الشاغرَ

للأوان.

صوتٌ

“قالّ لي أشياء لا أعرفها

 .” كالعصافير

صوتٌ

يُرمّمُ، لكني لا أعرفُ

أي شرخ.؟

صوتُها

وحدهُ قادرٌ على بعثرةِ المكان

إقصائِهِ ونفيهِ فيَّ.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours