صبية أشنونا التي أبهرتها قصص ألف ليلة وليلة

نمتار / قحطان جاسم جواد

كنت قد كتبت المقال عن لطفية الدليمي في الجزء الثاني من كتابي بورتريه لذاكرة بيضاء. وبرحيلها وجدت من الوفاء ان اعيد نشره اجلالاً لقيمتها الادبية والفكرية والانسانية معاً.

في بيت يملؤه شجر الرمان وشجيرات الجوري والرازقي، وبين مغاني ديالى وبساتينها وأنهارها وآثار سومر في (تل أسمر) التي تعرف بأنها كانت “مملكة أشنونا”، هناك في “بهرز”،ولدت لطفية الدليمي في السابع من شهر (آذار) عام 1939،وقد تفوقت على بنات عمرها في صغرها.. بدءاً «من درس الإنشاء، ومروراً بأول جائزة نالتها في حياتها أيام المتوسطة في كتابة بحث عن رواية لتوفيق الحكيم،وليس آخراً في روايتها “عشاق وفنوغراف وأزمنة”. منذ صباها كان همها أن تكون مختلفة؛ لذا جاءت نصوص كتابها الأول (ممر الى أحزان الرجال) أقرب إلى النص المفتوح على صيغ شعرية وحكايات واساطير، لتظل تلك علامتها الفارقة فيما بعد. تميّزت كتاباتها بأنها تعكس الحياة من وجهة نظر ومشاعر المرأة.. لدرجة أن جل شخصياتها الرئيسة والمحورية التي تدور حولها الرواية هي دائماً “أنثى”.هذه ال (لطفية) بالرغم من انها ساهمت في تأسيس العديد من المؤسسات والمجلات الثقافية، وإغنائها المكتبة العربية بأكثرمن 75 عملا بين تأليف وترجمة؛ ما زالت تصرعلى أنها لم تبلغ طموحها الإبداعي بعد، في حياتها هناك ثالوث سيطر على تفكيرها وسلوكها يتكون من الارادة والانضباط والشغف. فالإبداع شغف ساخن كالعشق، وهو مايدفع الكاتب للإستغناء عن كثير من تفاصيل الحياة الاجتماعية والاكتفاء بهذا العشق المهيمن، والعمل على تغذيته بكل مايديم شعلته. الإرادة: أن تمتلك الإرادة الكافية للتفرغ والعزلة وإتخاذ قرارك من غير تردد لإنجازعمل إبداعي تحلم به قد يستغرق منك عامين أو عدة أعوام وتوفر له كل المستلزمات المطلوبة للنجاح من بحث عن المعلومات المساندة اجتماعيا وعلميا ونفسيا وتاريخيا، أما الانضباط: فهو العمل اليومي في ساعات محددة وتنظيم الحياة بدقة دون هدر للزمن،ما يعزز الشغف بالابداع والاخلاص له وخدمته بالقراءات المستمرة والتجارب الحياتية والسفر.وفي حالتها اغنتها أسفارها وترجمتها للكتب المختصة بفن الرواية والنقد والفلسفة والحوارات مع الروائيين والفلاسفة، وعرفتها على مايجري في عالمنا من مستجدات فكرية وفلسفية وثقافية، اضافة الى اهتمامها بالموسيقى والفن التشكيلي والسينما.عن طفولتها ترى-حسب ماورد في مجلة الجديد اللندنية – انها كانت سعيدة في سني دراستها الاولى ومتميزة بين اقرانها ومشهود لها ببراعة التعبير والتاليف في اللغة العربية والرسم. كانت سعيدة بمعاييرذاك الزمن وعلى نحو ما بمعايير النضج .لانها كنت محط فخرأهلها والذين زرعوا مصيرها- كانت مع أختها نمثلان آمال الأم والأب في التفوق والوصول الى مراتب حرموا منها .والمدرسة الابتدائية هي التي رسمت خطوط حياتها .وكان أبوها وأصدقاؤه من اليساريين ممن يملكون مكتبات عامرة، فكان الجميع يرفدون الصبية الصغيرة بالكتب والقصص والمجلات مجلة الهلال وكتاب الهلال والاديب والاداب والرسالة والكتب المترجمة،وكانت أبرز أقرانها في درس الانشاء ما دفع والدها الى تشجيعها بالمزيد من هدايا الكتب والمجلات.وهي التي سددت خطاها في الكتابةو كانت في الصف الرابع تؤلف قصصا مصورة ترسم أحداها في صفحة وتدون النصف في الصفحة المقابلة حتى ملأت دفاترها المدرسية بالرسوم والقصص الطفولية الساذجة،وتلقت عقابا من معلماتها وأهلها ذات مرة. وفي الثانوية نالت أول جائزة في حياتها حين كتبت بحثاعن رواية لتوفيق الحكيم .ولاتنسى ابدا كتاب”الف ليلة وليلة”الذي شاهدت اوراقه الصفراء القديمة المشبعة برائحة التبغ،في غرفة التبغ التي كان الاهل يمنعون الاطفال من دخولها.وكانت بعمر التاسعة.ودخولها كان خلسة.وحين اطلعت على الكتاب وراحت تقرأ بعض صفحاته انشدت اليه والى شهرزاد التي اوقفت ظلم شهريار وقتله للنساء.وهو اول كتاب تأثرت به وصار صديقا لها ترنو اليه وتطالع فيه كلما لاحت لها فرصة لدخول غرفة التبغ الذي يتاجر به زوج خالتها المتدين،وهو عكس والدها الماركسي.في تلك اللحظة كانت صورة العالم قد تغيرت في وجدان ابنة التاسعة وتحدد مصير الكاتبة ووعيها وبدأت تتشكل بذورغدها الموصول إلى عالم الخيال بعد اكتشاف كتاب ألف ليلة ومتعة السماع، وامتزجت الحكاية بالموسيقى وسحر الكلمات وارتبطت معرفة خفايا النساء والجنس وحكايات العشق العجيبة بروائح التبغ وأشذاء ماء الورد والزعفران ونقر الدفوف المنبعث من مجالس الدروشة التي يقيمها زوج خالتها المتدين . وبالرغم من انها عرفت كروائية ومترجمة،فإنها تكتب الشعر، وغالبا ما تلجأ الى نصوص مفتوحة لتفرغ الشحنات الشعرية المضطربة التي تتصارع مفرداتها مع عقلانية القصة وموضوعية البناء السردي،الشعرهو الحاضنة التي نشأت في فضاءاتها ومورثنا الغني المتمد من ملحمة كلكامش حتى أمرئ القيس والمتنبي .وتزخر نصوصها القصصية بشعرية اللغة التي تعتبرها ميزة خاصة بأسلوبها السردي وشعرية الرؤية الى الكون والثيمات والشخوص. ربما لو كانت توقفت قليلا في بداية حياتها الادبية لاختارت الشعر قبل القصص، لكنها أستمتعت بالحكي وسرد القصص كوريثة لشهرزاد أم الحكايات وأول ساردة في التراث العربي.

وبالرغم من تواجدها الكثيف كمنتجة للادب في المشهد الثقافي،لكنها لاتحب الظهور الاعلامي والحوارت الصحفية او التلفزيونية،ولها في ذلك اسباب عدة،، السبب الاول: لأنها تؤمن ان علاقة الكاتب بالناس هي عبر كتبه ومقالاته،والثاني: ظهور الكاتب المفرط في الإعلام يحوله الى مادة إستهلاكية مبتذلة، وان مايود ايصاله للناس بوسعه قوله في رواياته ومقالاته.. فلا يزاحم نجوم الطرب والسينما على الشاشات، والسبب الثالث: لا تميل ابدا الى الظهور في وسائل الاعلام؛ لأنها تحمل فكرا حرا ناقدا لمجتمعاتنا وثقافتنا،ولا تستطيع قول ما تشاء بالطريقة التي تريد وليست من الذين يتقبلون محددات القنوات من تقنين لحرية القول، مما يؤدي إلى حذف ما لايتناسب -من اقوالها – مع سياسة القناة، ورابعا: وهو الأهم لاتحب الشهرةو يكفيها ما يعرفه القراء عنها وما يجدونه في كتبها ومقالاتها وترجماتها – وخامسا: في السياق ذاته.. تعتذر عن حفلات توقيع كتبها، وحصل الأمر مرتين طوال حياتها، وقررت نهائياً أن لا تخوض تجربة التوقيع؛ فالكاتب ليس بائعاً جوالاً يروج لسلعة الناشر كما يقول “هاروكي موراكامي”.وفي الوقت الذي نجد معظم الروائيين يكتبون عن انفسهم ونجدهم ابطالا لقصصهم،نرى انها تبتعد عن ذلك.  قد تكون في شخصيات قصصها جوانب من شخصيتها،إلا أنها لم تطرح نفسها بطلة خالصة في نصوصها. بل كانت تتماهى مع الشخصية وتتبناها كأنها وجهها الاخر،ربما تكون فعلا حاضرة في عديد من قصصها أنما بأقنعة بطلاتها ومواقفهن ورؤيتهن للعالم وأنفسهن، أحيانا تكتب ما تطمح أن تكون،وما تحلم أن تبلغه . وعن الفارق بين كتابة الشعر والقصة لها وجهة نظر تتلخص بأن الشعر لحظة مكثفة ورؤية جوانيه وكونية للانسان والعالم.القصة حدث بشروط بالزمان والمكان حتى لو جنح الى الاسطرةوالتخييل . ويخضع لمواصفات عقلية وجمالية مختلفة عن جماليات الشعر الساحرة.وهي تجد أحيانا صعوبات جمة في التنقل بين مزاج شعري متوهج وضرورات السرد المنطقية.كما انها استخدمت الاسطورة والملحمة والتراث في أعمالها، لإيمانها بأن وعي المبدع يتشكل من جملة معطيات تؤثر في تكوين شخصيته الإبداعية وأولها موروثه من الأساطير والملاحم والحكايات،ووظفت ذلك في نصوص معاصرة،كما في مسرحيتها”ليالي سومرية”ونالت عنه جائزة افضل نص مسرحي بالعراق.كما استفادت من المعطيات التاريخية الرافدينية في كثير من أعمالها ووظفت ولعها بهذا الموروث الغني لمنح أعمالها سمتها عمليا وخصوصيتها الزمنية والمكانية كما عملت على شخصيات من التراث كشخصية( الحلا) في قصتها “الشهود والشهداء”وأسقطت عليها رؤى معاصرة.

رحلت كثيرا الى مدن العالم بعد مغادرتها للعراق،لكنها استقرت اخيرا في عمان بالاردن،لانها بنظرها اجمل المدن بجوها وثقافة اهلها. فضلا عن دفء العلاقات الانسانية التي تفتقر اليها مدن الغرب المتسمة بالنزعات المادية، اضافة إلى كونها اقرب المدن العربية الى بغداد مزاجا وتاريخا وموقعا.هذهالروائية لطفية الدليمي التي اصبحت اشهر من نار على علم في الكبر،قيل عنها الكثير،واغدق عليها العديد من الاوصاف التي تستحقها.منها ماقالته”نجلة السماوي”التي وصفتها(اسم مهم تطرح رؤاها الفكرية بجرأة ،وهي اشبه ما تكون بفراشة محلقة ترتشف رحيق تجربتها الابداعية من الراهن اليومي للانسان العراقي، ومثل هذا ينسحب على كتابتها حين استقرت خارج العراق. فهي مازالت ذلك الطائر الغريد الذي يغرد ليستحضر صورة المكان واهله, فيجوب نصها الابداعي رحاب الحدائق الملونة ليرتشف رحيق الحنين الى أزقة وشوارع بغداد ومساءاتها المترعة بالنور). كما قالت عنها”هدية حسين “كتاباتها تحتوي ـ ما بين السطور ـ على الكثيرمما يمكن استنطاقه. وهناك صوركثيرة في كل جملة مما تكتبُه. كما لديها ثقافة موسعة في مجال موروث الرافدين العميق”،وقالت الناقدة” د. دودين” انها تبنّتْ موقفاً متقدماً منصًفاً، وداعياً بموضوعية فكرةً الجنوسةً في الحياة المجتمعية”،و تعالج قضية المرأة في علاقتها مع الرجل حين يتعرض الاثنان معاً لاضطهاد المؤسسة الاجتماعية والسياسية في علاقة لا يتحيّز فيها الرجل ضد المرأة دائماً”.واشار اليها الكاتب”خضير الزيدي”بقوله “لا يشار للحركة الإبداعية النسوية في العراق إلا وهي بوصلة الاتجاه، ولا تذكر طرائق النص الروائي وتوظيف الجانب الصوفي والعرفاني، إلا واسمها في المسار الأول، كاتبة مبدعة ومترجمة رائدة، تمتلك حضوراً لافتاً ومميزاً في الوسط الثقافي”.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours